أقلامهم

أنوار الجويسري: ما يميز العقل الجمعي أنه يوحّد صفوف الجماعة، وغالباً ما يُعبّر عن همومها ونقاط اتفاق أفرادها.

فواصل فكرية / سياسيٌ مُغلّف
أنوار مرزوق الجويسري
إن كُنت أبيض ستؤيّد وإن كُنت أسود ستُعارض، وقد تكون رمادياً لتقبل بشروط أو ترفض بحدود، لكن أمرنا لا يقبل اللون الواحد ولا يُناسبه مزج اللونين المتناقضين، وما نحن فيه لا يحتاج لفكر الألوان المجحف وإنما يحتاج لفكر الصورة الشمولية ولمفهوم الأحداث المتسلسلة، لأن الحدث لا ينقطع عن سابقه ولا ينفك عما يليه، ولا يجوز لنا أن نجعله متمرداً على كل ما سبقه من أحداث وتلته من ممارسات.
التصنيف السائد تصنيف اتهامات أو تصنيف إقصاء، فإما تكون في خانة الخيانة أو العصيان، أو تكون في خانة الخروج الفاجر أو البقاء المُتخلّف، فتلك الإقصائية جعلت من المجتمع متواجهاً ضد بعضه ومتضارباً دفاعاً عن نفس المبدأ، وتلك الاتهامات جعلت الشباب يغضب والكبير يُحبط والصغير يخاف، فكيفما يكون تصنيف الفعل يترتب عليه تصنيف رد الفعل، وكيفما يكون فهمنا للفعل ودوافعه تكون ردود أفعالنا وانفعالاتنا.
ما يميز العقل الجمعي أنه يوحّد صفوف الجماعة، وغالباً ما يُعبّر عن همومها ونقاط اتفاق أفرادها ومؤسساتها، لكنّ انفصال المجتمع إلى عقلين جمعيين متضاديين يُثير شيئاً من الريبة خصوصا إن كان الانفصال فجائياً مُباغتاً، فمن صفات الشعوب أن تتفق على المبادئ العامة المؤطرة إما بأُطر الدين أو بأُطر الفكر للدول التي لا تعترف بالدين كنظام حياة.
ما واجهناه من أحداث في الفترة الأخيرة، كان كله تعبيراً عن تطور الفكر الجمعي ووعي الشعوب بحقوقها وواجباتها، وكل تلك الأحداث لا تعني شيئاً دون ما سبقها من أحداث على مدى عشرة أعوام وما سيحدث بعد عشر سنواتٍ أخرى، فالصورة الشمولية أكثر قدرة على الاستنتاج الأدق والتصرف الأحكم، فنبتعد عن التصنيف اللحظي والتأييد والمعارضة العابرين، ونتجنب الفكرة الموقتة القابلة للخطأ باحتماليةٍ أكبر.
من الصعب أن تكون مع أمكَ ضد أبيك، أو مع أختكَ ضد أخيك، ومن الصعب أن تحتكر خياراتك بـ «مع» أو «ضد»، الحدث أكبر من أن تفسره على هواك وأعظم من أن تتخيّر من الفتوى ما تشاء، وأعظم من ذلك أن تساهم في انقسام العقل الجمعي الذي يحويك دائماً ويقلّص الخطر في أصعب المواقف.
أعذرني قارئي ما وددت أن أرهقك بالسياسة أكثر، لكن المقال سياسي مغلف، وتغليف الفكر يعطينا طابعاً فريداً كشعب وأمة.