آراؤهم

شكراً دوحة العرب

أبدى الأخضر الإبراهيمي – في مؤتمر صحفي مشترك بموسكو مع لافروف- أسفه لانهيار الهدنة التي دعا الحكومة والمعارضة السوريتين إلى التقيد بها في عطلة عيد الأضحى. ولم تصمد هذه الهدنة التي ولدت ميتة لساعات لأنها خالية من أي شكل أو مضمون.
الإبراهيمي رفض في مؤتمره الصحفي اتهام الحكومة أو المعارضة بخرق الهدنة, وساوى بين الجلاد والضحية، وعدّ ما يجري في سورية حرباً أهلية.  
هذا التوصيف من جانب الإبراهيمي جانب الحقيقة، وهو دليل على أن الإبراهيمي لم يقرأ جيداً الحالة السورية وما يجري على الأرض حقيقة، فلا يمكن وصف ما يجري على أنه حرب أهلية لأن مقومات الحرب الأهلية غير متوفرة في الحالة السورية.. ففي سورية ثورة شعبية تنشد التغيير بدأت سلمية وحافظت على سلميتها لأكثر من ستة أشهر وواجهها النظام من الساعات الأولى بالقمع الشديد، فكلنا نذكر ما فعل النظام بمجموعة من الأطفال في درعا من تعذيب وتنكيل وقلع للأظافر لأنهم كتبوا على جدار المدرسة “الشعب يريد إسقاط النظام”، وكلنا شاهدنا على الفضائيات العربية والأجنبية ما ارتكبه النظام من فظائع بحق الطفل حمزة الخطيب الذي توفي من التعذيب الوحشي الذي مورس عليه، وتبعه آخرون من أمثاله استهدفهم النظام بالرصاص جهاراً نهاراً عقاباً لهم لأنهم تظاهروا مطالبين بالحرية والكرامة والديمقراطية والدولة المدنية كما فعل اشقاؤهم في تونس ومصر واليمن وليبيا.
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تحدث باسم النظام السوري يوم أمس الاربعاء 31 تشرين الأول في باريس خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه بوزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس مؤكداً ان “حمام الدم في سورية سيستمر اذا ما أصر الغربيون على المطالبة برحيل الرئيس السوري بشار الاسد “.
وقال الوزير الروسي بعد مباحثاته مع فابيوس: “اذا أصر شركاؤنا على موقفهم المطالب برحيل هذا الزعيم الذي لا يحبونه فان حمام الدم سيستمر”.
مؤكداً على وجهة نظر موسكو من أن ما يجري في سورية هو ” حرب أهلية بمشاركة مرتزقة يقاتلون إلى جانب المعارضة، ولا يزال هؤلاء المرتزقة يصلون إلى سورية عبر حدودها مع الدول المجاورة”. وبرر الحرب التي يشنها النظام بمختلف الأسلحة الثقيلة ضد المدنيين والمدن والبلدات والقرى السورية قائلاً: “إن من حق القيادة السورية استخدام كل الوسائل العسكرية والحربية ضد هؤلاء الجماعات المسلحة والإرهابية للقضاء عليهم حتى ترضخ المعارضة للجلوس معها على مائدة المفاوضات لتقرير مستقبل سورية”.
واشنطن التي تدعي صداقتها مع الشعب السوري أعلنت من جهتها على لسان وزيرة خارجيتها هلري كلنتون أن المجلس الوطني “لم يعد العنوان الأبرز للمعارضة السورية، وأن على هذه المعارضة أن لا تترك الثورة تنساق إلى التطرف”.
وهكذا نجد حلفاء النظام وأصدقاء الشعب السوري يعزفون على نفس الوتر ومتفقون على توصيف الحالة السورية على أنها حرب أهلية قوامها جيش نظامي يدافع عن الدولة في مقابل مجموعات متمردة وعصابات مسلحة ومتطرفين وإرهابيين يريدون جر سورية إلى أتون حرب طائفية سيمتد أوارها إلى دول الجوار والمنطقة ويصيب شرارها العالم أجمع.
وللتوضيح فإن الحرب الأهلية تعرّف بأنها صراع داخلي تقوم به جماعات على أسس أثنية أو دينية “مذهبية أو آيدلوجية”، من أجل تغيير بعض السياسات الحكومية أو الإطاحة بنظام الحكم، أو الحصول على الحكم الذاتي لمنطقة معينة، أو الانفصال عن الدولة.
وقد يكون هذا التعريف من أكثر التعريفات شيوعاً وتقبّلاً في أوساط المتخصصين في التاريخ والسياسة، فاعتماد المعيار الإثني أو الديني “المذهبي أو الآيدلوجي”، هو الأكثر شيوعاً في هذا المجال، وهو معيار يجعل الكثير من المراقبين الغربيين يصنّف المشهد في سورية على أنه حرب أهلية، باعتبار أنه صراع بين أكثريّة سنيّة وأقليّة علويّة. لكن الحقيقة تقول عكس ذلك، كون غالبية المصطفين مع نظام الأسد هم من السنّة، بل أن بعضاً من عتاة قادة الأمن والجيش الموالين للأسد، وكذلك كبار أركان النظام في الوزارة وتركيبة الحكم هم من أبناء الأكثرية السنيّة، ويمكن لحظ ذلك في حال استعراض أبرز قادة الجيش والأجهزة الأمنيّة ونواب الرئيس والوزراء، كما أن عدداً من رموز المعارضة للنظام هم من غير السنّة، فبعضهم من العلويين والمسيحيين والدروز والأكراد، الأمر الذي يخلق نقطة ضعف واضحة في إمكانية اعتماد المعيار الديني – المذهبي في توصيف المشهد في سورية، رغم حالة التعبئة والشحن الطائفي الذي اعتمده النظام وحاول تسويقه منذ الأيام الأولى لانطلاق الثورة محاولاً تسويق نفسه على أنه حامي الأقليات في سورية، في حين يؤكد الثوار في كل مظاهراتهم بهتاف واحد يعتمدونه “واحد واحد الشعب السوري واحد”، وعلى الأرض هناك أعداد كبيرة ممن انشقوا عن جيش النظام من العلويين والدروز والمسيحيين والأكراد وانضموا إلى الجيش الحر ويقاتلون بشراسة في صفوفه.
وأمام الصمت المريب الذي التزمت به الجامعة العربية حيال هذا التوصيف وهذه التصريحات من القريب والبعيد ومن العدو والصديق لم نسمع من أي عاصمة عربية تعلن رفضها لهذا التوصيف المجحف بحق الثورة السورية، متنكرين لأرواح الشهداء الذين تجاوز عددهم الأربعين ألفاً، مغمضين العين عن تدمير النظام لأكثر من 50% من المدن والبلدات والقرى السورية، ونزوح وتهجير ما يزيد على ثلاثة ملايين داخل البلاد وخارجها.. اللهم إلا من صوت وحيد خرج من دوحة العرب معلناً رفضه لهذا التوصيف على لسان الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الذي رفض وصف الموفد الدولي العربي المشترك الأخضر الإبراهيمي لما يجري في سورية بأنه “حرب أهلية”، قائلا “بل هي حرب إبادة يشنها النظام السوري على شعبه”.
وقال بن جاسم “نحن نعلم أن ما يجري في سورية ليس حربا أهلية، ولكن حرب إبادة أعطيت لها رخصة من أول يوم من الحكومة السورية ومن المجتمع الدولي”.
فشكراً وألف شكر لدوحة العرب التي أثبتت أنها الصديق الصدوق للشعب السوري في محنته وعذاباته وآلامه وجراحاته!!
Copy link