آراؤهم

روسيا لم تكن يوماً صديقة للعرب بل كانت صديقة لمصالحها

عقد في الرياض مساء أمس الأربعاء 14 تشرين الثاني الاجتماع الوزاري المشترك الثاني للحوار الاستراتيجي بين دول مجلس التعاون الخليجي وروسيا الاتحادية، وتمحور أساساً حول الأزمة السورية وتطوراتها.
وفي مؤتمر صحافي مشترك في ختام الاجتماع، عقده وزير الخارجية البحريني ونظيره الروسي سيرغي لافروف، قال الشيخ خالد إن الجانب الخليجي أصر على وجوب توفير الدعم الدولي للائتلاف السوري للمعارضة الذي انبثق عن اجتماعات الدوحة واعتباره الممثل الشرعي للشعب السوري. 
أما لافروف فقد أصر على الجلوس والتحاور مع نظام بشار الأسد، كما كرر ما قاله الاسبوع الماضي في العاصمة الاردنية عمان بأن تغيير نظام الأسد يعني استمرارية سفك الدماء.
وفي سؤال محرج وصريح حول ما تنتظره روسيا بعد خسارتها للشعوب العربية بوقوفها إلى جانب بشار الذي يقتل شعبه، راح الوزير يدور في متاهات لا صلة لها بالموضوع ليتملص من الإجابة الصريحة والمباشرة.
وفي دبلوماسية رزينة ختم وزير خارجية البحرين المؤتمر مرطباً أجواء اللقاء بقوله: 
إن روسيا لديها رصيد جيد ومساند لقضايانا وهذا يهمنا.. وأضاف نحن نعرف أن الحل يتأتى بالتعاون مع روسيا التي تعتبر دولة مهمة في المجمتع الدولي.
ومع كل الاحترام لما قاله وزير خارجية البحرين إلا أن روسيا في حقيقة الأمر لم تكن يوماً صديقة للعرب ولا مناصرة لقضاياهم إلا بقدر ما تحصد من مكاسب وامتيازات سواء كان ذلك أيام الاتحاد السوفييتي أو بعد انهياره، فالاتحاد السوفيتي هو أول دولة في العالم اعترف باغتصاب الصهاينة لفلسطين بعد إعلان قيام الدولة العبرية بعشر دقائق، والاتحاد السوفييتي هو من كان يزود العصابات الصهيونية بالسلاح والعتاد ويدرب آلاف اليهود في روسيا وأوربا الشرقية ويبعث بهم إلى فلسطين ليلتحقوا بالعصابات الصهيونية، والاتحاد السوفييتي هو من كان يقف وراء الأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية والتي كانت تدافع عن الصهاينة ووجودهم في فلسطين، والذين كانوا يعتبرون حرب فلسطين عام 1948 حرباً عنصرية ضد اليهود.
وحتى عندما لجأ العرب إلى الاتحاد السوفييتي ليكون حليفاً لهم ومناصراً لقضاياهم بعد وقوف الغرب إلى جانب الدولة العبرية بشكل سافر، كان الاتحاد السوفييتي يفاوض العرب عن الثمن الذي يمكن أن يدفعوه لقاء ما يمكن أن يقدمه لهم من دعم سواء في التسليح أو التنمية، وقبلت بعض الدول العربية بابتزاز الاتحاد السوفييتي حرصاً منها على تقوية جيوشها ودفع عجلة التنمية في بلدانها، وكان من أهم الدول العربية التي قبلت بهذا الابتزاز سورية ومصر المعنيتان مباشرة بالقضية الفلسطينية لأنها تمثل لهما الخطر الأكبر لأمنهما القومي بعد قيام الكيان الصهيوني، ولم يتحقق للدولتين في قابل الأيام لا التسليح الفاعل ولا التنمية المتقدمة، فقد كان الاتحاد السوفييتي يزود مصر وسورية بأسلحة من بقايا الحرب العالمية الثانية البالية، في حين كان الغرب يزود إسرائيل بأحدث ما لدى ترسانته العسكرية الحديثة والمتطورة، ووجدنا الفرق بين هذين السلاحين في حروب عام 1956 حيث وصلت قوات الدولة العبرية إلى قناة السويس خلال ساعات، وفي عام 1967 تمكنت القوات الصهيونية من احتلال سيناء المصرية والضفة الشرقية لقناة السويس، ومرتفعات الجولان والقنيطرة السورية، والضفة الغربية والقدس الفلسطينية وتدمير الطيران وقواعده في كل من مصر وسورية في أقل من ستة أيام، وفي عام 1973 تمكنت قوات الدولة العبرية من احتلال 34 قرية جديدة في الجولان السوري ووصلت مدرعاتها وقطع مدفعيتها إلى نحو 54 كم من دمشق، ليعقد معها النظام السوري اتفاقية فك الاشتباك عام 1974 التي تضمنت فيما تضمنته تعهد النظام بسلامة الحدود الشمالية للدولة العبرية وأمنها، وفي عام 1982 تمكن الطيران الصهيوني من تدمير مواقع الدفاع الجوي السورية على الحدود السورية اللبنانية وإسقاط أكثر من مئة طائرة سورية خلال سويعات قليلة، واحتلال جنوب لبنان وبيروت دون أن تفعل القوات السورية المتمركزة في لبنان (أربعين الف جندي) أي شيء يحول دون تقدمها.
وفي المجال السياسي والمحافل الدولية لم نكن نسمع من الاتحاد السوفييتي إلا جعجعة دون فعل في دعم قضايا العرب، ولم يقم باستعمال حقه في الفيتو ولو لمرة واحدة في إفشال أي قرار يتخذه الغرب لصالح الدولة العبرية. 
أما في التنمية فحدث ولا حرج فقد كانت كل المشاريع التي أشرفت عليها موسكو في مصر وسورية تستنفذ طاقة البلدين دون أي مردود أو نتائج تذكر، فقد كان الخبراء الروس والقادمين من أوربا الشرقية هم في حقيقة الأمر عمال من الدرجة الثانية والثالثة ليست لديهم أي خبرة في إدارة هذه المشاريع التي كانت كارثية على اقتصاد مصر وسورية وازدياد في الفقر والبطالة، ناهيك عن الفساد المالي والإداري الذي أصبح في هذين البلدين قاعدة أساسية في المجتمع جراء ما كانت تتمخض عنه اتفاقيات إقامة هذه المشاريع مع الاتحاد السوفييتي.
وحتى بعد تفكك الاتحاد السوفييتي كانت مواقف الاتحاد الروسي الجديد مناصراً لأعداء العرب، فلقاء بعض المال السياسي الرخيص من طهران أدارت روسيا ظهرها للعرب وتوجهت إلى إيران التي تعلن عن مطامعها في دول الخليج ومحاولة تصدير ثورتها إلى البلدان العربية والتبشير بمذهبها فيها والسعي لإقامة هلال شيعي يمتد من قم حتى بيروت مروراً ببغداد ودمشق، فتنشئ فيها المفاعلات النووية التي تمثل الخطر الأكبر على الوطن العربي وبلدانه، وتزودها بالخبرات العسكرية وأحدث ما لديها من أسلحة وعتاد عسكري، حتى جعلت منها قوة تهدد البلدان العربية والسلم في المنطقة والعالم.
وراحت روسيا أبعد من ذلك عندما وقفت إلى جانب الديكتاتوريات العربية في مواجهة شعوبها التي انتفضت طلباً للحرية والعدالة والديمقراطية، فوقفت إلى جانب القذافي حتى النهاية، وهي اليوم تقف إلى جانب بشار الأسد في مواجهة شعبه الأعزل الذي يواجه آلته العسكرية المدمرة (طيران الميج والسيخوي والسمتيات والبارجات الحربية والمدافع والدبابات وراجمات الصواريخ) التي تصب حممها على رؤوس المواطنين من قنابل فراغية وعنقودية وانشطارية التي تحدث دماراً هائلاً وتزهق أرواح الآمنين بالجملة دفعة واحدة، والتي تزوده بها ليوغل في قتل السوريين وذبحهم في مجازر بشعة لم ير العالم مثيلاً لها، أتت على ما يزيد على أربعين ألف شهيد وأكثر من مئة ألف جريح ومثلهم من المفقودين وأضعافهم من المعتقلين، إضافة إلى الملايين من النازحين والمشردين داخل سورية وخارجها، وتدمير العديد من المدن والبلدات والقرى بما فيها من بنية تحتية ومؤسسات ودور عبادة وأماكن تاريخية، واستعمالها لحق النقض الفيتو في مجلس الأمن ثلاث مرات متتالية خلال شهرين للحيلولة دون إصدار أي قرار يدين أو يندد بجرائم نظام الأسد، ولا تزال تصر على دعم هذا النظام جهاراً نهاراً غير آبهة بكل العرب طالما أنها تحقق المكاسب من طهران وبغداد المالكي التي تدفع الفواتير بسخاء للحيلولة دون سقوط بشار ونظامه.
وأمام هذا الفعل الروسي غير الأخلاقي تجاه الشعب السوري فإن العرب لا ولن يعتقدوا ولو للحظة واحدة أن روسيا هي صديقة للعرب.. بل هي عدوة لدودة تشكل رأس حربة لحلف الشر المتمثل في موسكو وطهران وبغداد المالكي والضاحية الجنوبية، وأن العرب لا ولن ينسوا جراحهم وعذاباتهم وآلامهم ومعاناتهم وضحاياهم التي كانت من فعل آلة القتل التي زودت بها موسكو النظام السوري ولا تزال تزوده بها عبر الجسور البحرية والجوية والبرية!! 
Copy link