كتاب سبر

الشك ليس غاية!

وقوف العقول عند حدودها وعدم تجاوزها قدراتها وخوضها فيما يضر ولا ينفع أهم الطرق للسلامة من التناقض والتلّقبات الفكرية التي تنادي على صاحبها بالجنون والجهل وتغري السفهاء به وتحمل العقلاء على عدم اعتبار آرائه…؟!
وانسياق العقل خلف الأوهام والمبالغة في التفكير في القضايا التي لا قبل للعقول بها كالخوض في ذات الله وماهيّة صفاته أقصر الطرق إلى الضلال…!
أقول هذا الكلام لأني رأيت بعض الأخوة في (تويتر) لا يقف بفلسفة ديكارت (الشكيّة) عند حدود المعقول بس يسحبها على صفات الباري عز وجل ويرى بأن الإيمان كسائر المسائل تبقى في طور الشك حتى تتوافر الأدلة التي تسوقه لطور اليقين…؟!!
ولا يعلم هذا وأمثاله بأن الله عز وجل عندما أراد الثناء على المؤمنين ابتدأ بصفة الإيمان بالغيب…فالمؤمن يكتفي بإيمانه بالغيبيات على إخبار الله ورسوله…ولا يبحث على الأدلة الماديّة المحسوسة في المسائل الغيبيّة…لأن هذا فيه اقحام للعقل فيما لا طاقة له به…وقديماً قال الشاعر:
وللعقول حدود لا تجاوزها…
والعجز عن الإدراكِ إدراكُ…!!
ثم إن هذا وأمثاله لم يفهموا مراد ديكارت من الشك…فالشك عند ديكارت وسيلة…وليس غاية كما نراه في تعاطي هذا وأمثاله مع الأمور الغيبية…؟!!
يقول يوسف مكرم في كتابه تاريخ الفلسفة الحديثة مقررا مذهب ديكارت في الشك:
( فإذا أردنا أن نقرر شيئًا محققًا في العلوم، كان من الضروري أن نشرع في العمل من جديد، فنطرح كل ما دخل عقلنا من معارف، ونشك في جميع طرق العلم وأساليبه، مثلنا مثل البناء يرفع الأنقاض ويحفر الأرض حتى يصل إلى الصخر الذي يقيم عليه بناءه، والأساس الذي نريد الوصول إليه هو العقل مجردًا خالصًا، فإن العقل واحد في جميع الناس، إذ إنه الشيء الوحيد الذي يجعلنا أناسيّ ويميزنا من العجماوات، فهو متحقق بتمامه في كل إنسان. وما منشأ تباين الآراء سوى تباين الطرق في استخدام العقل. ولسنا بحاجة إلى التدليل على كذب آرائنا السابقة ليسوغ لنا اطّراحها على هذا النحو، بل يكفي أن نجد فيها أي سبب للشك، إذ ليس الشك مقصودًا هنا لنفسه، بل لامتحان معارفنا وقوانا العارفة).
فالشك عند ديكارت وسيلة لاختبار معارفنا السابقة…لا غاية نعيش عليها سائر أيّامنا…؟!!
فالعاقل لابد له من معرفة قدراته العقلية وتسخيرها فيما يعود عليه بالخير ولا يحاول دائماً اختبار نفسه في مثل هذه المسائل الغيبية الخطيرة…فالفتن تستشرف لمن يستشرف لها…
ورحم الله الإمام ابن حزم الذي قال محذّراً أمثال هذا:
(لا تضر بنفسك في أن تجرب بها الآراء الفاسدة لتري المشير بها فسادها فتهلك فإن ملامة ذي الرأي الفاسد لك على مخالفته وأنت ناج من المكاره خير لك من أن يعذرك ويندم كلاكما)…؟!!
تويتر: a_do5y
عبدالكريم دوخي الشمري
Copy link