كتاب سبر

الكراهية والخطاب

يتغنى الكثير من علماء الجامية، ومُفتيّ البلاطات الأميرية والملكية والسلطانية، وأبواق وأذناب الهبات والأعطيات السياسية في هذه الأيام، بحديث الصحابي الجليل (حذيفة بن اليمان) حول وجوب طاعة ولي الأمر وعدم الخروج عليه مهما بلغ به الجور والحكم بغير شرع الله وما إلى ذلك من أمور، في محاولة منهم لتبرير السياسات القمعية،والممارسات الجائرة، والتعدي على المكتسبات الشعبية بكافة أشكال التعسف والإجحاف من قِبل العديد من الأنظمة، إلا أنهم قد عمدوا إلى تجاهل مسألة مهمة تتعلق هي الأخرى بالصحابي (حذيفة) ..
فعندما عاد الرسول صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أسر إلى حذيفة -أمين أسراره- بأسماء كافة المنافقين المندسين في صحابته، ويعيشون بينهم في مدينته، ويغزون معهم في معظم غزواته عليه أفضل الصلاة والتسليم، أولئك الذين نترضى عنهم عند ذكرهم حتى يومنا هذا بحكم أن النبي قد أمر حذيفة بعدم البوح بأسمائهم، ولدرجة أن سيدنا عمر الفاروق كان يستحلف حذيفه قائلاً : (ناشدتك الله أأنا منهم) !
إن النفاق الديني غير محصور في زمان أو مكان معين، وإنما هو موجودٌ منذ عهد النبوة وما تبعه من عصور إسلامية أخرى، وما منافقو اليوم إلا إمتداد لأولئك المنافقين الأولين، ولك أن تنظر كيف يتفننون بالمتاجرة بحديث (حذيفة) حينما يسوّقونه وبصورة حصرية، لا تليق إلا بعتبات قصور أوليائهم، وحينما يتعففون عن الإتيان على ذكره خلال دعائهم على بشار وتأليب رعيته عليه كمثال ! 
                      ***********
إن التطرق إلى قضية نبذ الكراهية ومحاولات سن قوانين من شأنها ردع هذه الأمور، هي في حقيقة الأمر دعوة صريحة إلى الكراهية وبث سموم الفُرقهَّ والتناحر ونبذ الآخر بصورة طائفية بحتة .. فالأنظمهة المتخلفة تقتات على هذه السياسة وتتاجر بها لتعيش وتبقى وتستمر في طغيانها وفق قاعدة (فرق تسد) !
وقضيتنا اليوم ليست قضية طائفية كما يصورها الإعلام الحكومي التشيلسلاوي، وإنما هي قضية شعب بأكمله .. قضية أمة لها كل الحق في تقرير مصيرها، قضية جيل يسعى للحفاظ على صيانة كرامته من خلال إعلان رفضه العبث بمكتسباته الشعبية، وحقوقه المدنية .. فعندما يصدح البراك هنا وهناك بعبارة (إما نكون اللي نبي .. ولا عسانا ما نكون) فذلك نابع من يقينه الراسخ بأن الجموع التي خرجت .. قد خرجت بدافع الحفاظ على مصلحتها العامه، وعدم (السماح) بالعبث بقوانين تكفل لها العيش الكريم في دوله مدنية الأمه بها مصدر السلطات جميعا .. إلا أن خفافيش الظلام تحاول جاهدة، أن تجعل من القضيه، قضيه طائفيه كما أسلفت، وكأنما جميع من خرج في مسيرات كرامة وطن وقرر المقاطعه (طالبانيين وتكفيريين)، وكافة من عزف عن الخروج وقرر المشاركة (معممين وصفويين) .. جميعنا مسلمين .. كلنا موحدين .. رسولنا واحد وقرآننا واحد وقبلتنا واحده، فلما محاولات إصلاح ذات البين الحكوميه بين أطراف خلافها سياسي لا ديني ؟
نعم هناك عدة إختلافات مذهبيه، إلا أن السلطة تلهث لتجعل من (الإختلاف) (خلاف) فـ يتسنى لها إشغال الرأي العام عن مضمون قضاياه الشعبيه وحقوقه المشروعه، فيمضي الناس في جدالات عقيمه .. ومهاترات سقيمه لا طائل منها، ومن ثم تتفرغ هي لتسّيير شئونها الخاصه -كالتوقيع على الاتفاقيه الأمنيه كمثال- !
ولكنها تناست أن لديها مجتمع متنوّر .. شعب متحضر، أمة واعية تعرف ما لها وما عليها، تعلم وتعي أن لا ضير في أن يدعي الشيعة بالخلافة لعلي طالما لم ينتقصوا من قدر أبي بكر، وأن لا ضرار في أن يترحم السُنة على يزيد طالما يدينون قضية اغتيال الحسين، مؤمنة بقضية الحرية الفكرية، موقنة أن المهم هو عدم طعن أي من الطرفين الآخر في عقيدة، مُلِمة بحال عيش (المسلمين واليهود والمنافقين) على حد السواء في دولة واحدة مثلوا جميعهم مكونات مجتمعها منذ 1400 عام مضت .. مُدرِكة حقيقة وجود ذوي النفاق الديني والسياسي والاصلاحي والوطني بينها وتتقبله .. تتقبله كأمة تقتدي بتقبل نبيها الكريم وجود المنافقين في مجتمعه، وعيشهم بين صحابته في دولته، بل وصلاته عليه الصلاة والسلام على سيدهم (ابن سلول) .. فلسنا بحاجة لقانون كراهية أنتم راعوه، ونبذ طائفية أنتم محركوها، ووأد فتنة أنتم من أيقظها .. نحن وبكل بساطة نتمنى منكم ترك حقوقنا وشأنها، نتمنى ذلك و (لن نسمح لكـ) ــم بغير ذلك !
                      ***********
(وتلك الايام نداولها بين الناس) من منطلق قوله عز وجل .. أود التذكير بأن الواقع متغير لا محالة.. والتاريخ يؤكد انتصار إرادة الشعوب منذ الخليقة وحتى يومنا هذا، ولنا أن نختار؟ إما ان نغيره نحن لما فيه من مصلحه لنا ولأجيالنا القادمه، أو أن تُغيره حكومه ترغب أن (تغيّر علينا) !
Copy link