حديث الأيام / عاش كويتياً ومات «بدون»!
د. فهيد البصيري
منذ أيام انتقل إلى رحمة الباري الأخ العزيز طالب سعيد العنزي، وهذه هي حال الدنيا وسبحان العزيز الباقي، وقد ترك رحيله غصة في قلوب أهله ومحبيه، وقد لا يكون الأخ طالب سعيد مشهورا كشهرة بعض الفنانين أو لاعبي الكرة هذه الايام ولكنه كان مشهورا بفضائل كثيرة تمنيت أن يحظى بها الكثيرون، كدماثة الخلق وسعة العلم والعطاء الادبي والثقافي الكبير المليء بالوفاء للكويت رغم أن الكويت حرمته الجنسية.
كان أول لقاء لي بالاستاذ طالب سعيد في عام ثمانين (صافي)، عندما كان في السنة الاخيرة في الجامعة بينما كنت أنا غرا أتخبط بين هذا التخصص وذاك، تلقفني كأخ ولدته أمه، لم يشح بوجهه كما يفعل معظم الخريجين المتعالين على المستجدين، كان متواضعا نصوحا صادقا مع نفسه قبل الاخرين.
ولم يكن الاستاذ طالب سعيد طالبا في الجامعة فقط، بل كان باحثا وكاتبا في جريدة السياسة حينها، ويعتبر من الكويتيين القلائل الذين عملوا في الصحافة عندما كانت الصحافة مهنة طاردة وحكرا على الوافدين، وخاض وداج في شارع الصحافة فعمل أولا في «السياسة» ثم «القبس» ثم صوت «الكويت الدولي» وله باع طويل في مجال المكتبات والبحث المعلوماتي، ومن هذه الحالة الصحافية التي كان يعاني منها كان له الفضل في بداياتي الصحافية، عندما كنت أدس له مقالتي اليافعة لينشرها في جريدة «السياسة» في ذلك الزمن البعيد.
سبقني الأستاذ طالب في التخرج من الجامعة وانصرف إلى البحث والكتابة بينما اخذتني مشاغل الحياة عنه وبقيت صداقتنا حية، فهو من النوع الذي لا يفرط بصداقاته وإن غربلها الزمن.
ولكن حياة الاستاذ طالب لم تكن صافية وسعيدة كاسمه، فقد شاء القدر أو ربما القوانين في الكويت أن يعيش كويتيا ويموت بدون، وكان رحمه الله حالة غريبة فأبوه كويتي وإخوانه كويتيون فيما عداه هو وأحد إخوته، وكل المشكلة أن أباه حصل على الجنسية بعد أن بلغ طالب سن البلوغ أي الثامنة عشرة، ومع ذلك لم تحرك هذه المشكلة شعرة في جسم هذا الانسان، وعاش طالب سعيد كويتيا قولا وفعلا كحال الكثير من البدون اليوم، فشهادة الجنسية بالنسبة لهم ليست شهادة على الإخلاص والوطنية، والوطن من وجهة نظرهم ليس مسؤولا عن ظلم بعض المواطنين.
لم تنقطع علاقتي بالاستاذ طالب، ولكنها اصبحت ضحية للمناسبات فقط وعندما جاءت مناسبة الغزو العراقي للكويت اقتربنا اكثر بفعل الظروف وكان رحمه الله مدافعا شرسا عن الكويت، كان يسكن قريبا منا مما سهل الالتقاء به وببعض الاخوة البدون، وبسبب طبيعة عمله الصحافية كان يحتفظ في بيته بآلة طابعة وأجهزة نسخ ورقية ما يعتبر في تلك المرحلة جريمة عقوبتها الاعدام، وقد عانى كثيرا في عملية إخفائها خلال حملات التفتيش الدورية التي يقوم بها العراقيون، ولم يتوقف عند ذلك بل استخدمها في عمل نشرات سرية اسبوعية تحولت إلى شهرية وأسماها الفدائي، تحكي بطولات المقاومة وتنبه الكويتيين إلى المخاطر المحتملة، وتشد من أزر الصامدين، وقد نشر منها ستة أعداد، وكانت اللحمة كما يقول رحمه الله، لإصدار كتابه «من مذكرات صحافي تحت الاحتلال».
وبعد التحرير استمر الاستاذ طالب في الكتابة للصحف وألف بمشاركة الاستاذ عويد العنزي كتابا يحكي سيرة الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح رحمه الله، إضافة إلى توسعه في البحث عن السرقات العلمية التي يقع فيها بعض الباحثين، وكان شعلة من النشاط الادبي والثقافي التي لا تنطفئ، ولكن مرض السكري اللعين أقعده عن الحركة، وقد عانى منه كثيرا حتى سرق منه جهده وطموحه ومع ذلك لم يسرق منه ابتسامته الدائمة والتي بقيت مرسومة على شفتيه حتى أواخر أيامه وهو يودع الكويت، وكأنه يقول بلادي وإن جارت علي عزيزة – وأهلي وإن ضنوا علي كرام.
رحم الله الأستاذ طالب سعيد واسكنه فسيح جناته وألهم أهله وأحبته الصبر والسلوان و«إنا لله وإنا إليه راجعون».

أضف تعليق