وبدأ خلودك يا غنيمة..
بقلم: خلود عبدالله الخميس
لست جيدة في المراثي، ومن أصعب ما أمر به كتابة سطر مشاعر أو مآثر شخص رحل من الدنيا وصار في رحاب فسيح، وفضاء لا محدود، ورحمة سخية.
فكيف نتكلم نحن هنا بقليل علمنا، وقد بدأت الأعمال والنيات تنطق هناك لمن هو بكل شيء عليم؟
من أين نأتي بجرأة مديح أو وصف من صار في ذمة ذي تمام وكمال في كل شيء؟
جل وعلا ربي إذا قبض روحا طيبة، ونحسب الأم غنيمة فهد المرزوق كذلك ولا نزكيها على الله، بدأت رحلة البشارات لتلك الروح، فاللهم بشرها بما يليق بك.
وعندما أقول رحمة سخية، لأن السخاء، وهو أحد صفاتها، معنى يفهم عمقه أولئك الذين عاشوا ليعطوا، يتنفسون المنح، يسعدون بمشاركة الآخرين بما من الله عليهم به، ويرون الفضل لمن يقبل عطاياهم لا لأياديهم، وتضيق صدورهم ان حبسهم عن الانفاق حابس، تلك هي الارواح الطيبة التي فقهت وكالتها لا ملكيتها على ما وضع ربها في امانتها من ارزاق ليرى كيف تفعل بها.
وانا اتلقى خبر التحاق الام غنيمة المرزوق الى جوار ربها، حبس شيء في صدري، بل تجمدت مشاعري لا لفكرة الموت بحد ذاتها، ففيه لقاء الرب، وذلك منتهى رغبة المؤمن، ولكن حزني لاسباب اخرى، فهي لم تمت بل بدأت رحلة الخلود في الحياة الحقيقية، الحياة التي اعدت واستعدت لها، لكن حزنت على نفسي.
نعم، ففي اي رحيل لصاحب فضل اشتهر بين الناس كشمس لا يقدر يوم غائم على حجب اشعتها ونورها ودفئها، يلح ذاك السؤال الذي لا يكل ولا يتعب، وانت هل انت مستعدة لتلك الرحلة المفاجأة ؟الرحلة التي لا حقائب سفر فيها، ولا مقاعد وثيرة في الطائرات، ولا سكن في اجنحة فنادق فخمة، ولا رفقة عيال وزوج وام واب وعائلة، رحلة ذهاب لا عودة بعدها في الدنيا، طريق جبري، وانت عارية الا من ستر الله عليك، هل انت مستعدة؟ اليس من الحق ان نحزن علينا ان لم نجد اجابة؟
ان للموت رسالتين الأولى ان احدهم انقطع عمله بينما انت مازالت فرصتك جارية والثانية انه لا علم ولا عقل قدر على تحدي امر الله بقبض الارواح، وهذه رسالة للملحدين وان غفلوا عنها ينغص عليهم
تكرارها فيمن حولهم لذة العيش بلا إيمان، هذا هو حكم الله، وسنته في المخلوقات كلها، الموت ثم البعث، فعلى أي حال نموت ونبعث؟ هنا الحزن، وهنا محاسبة النفس، وهنا سبب الوقوف والتأمل، وكم من لا يرى في الموت واعظا.
حث التراب على موتانا لم يستثن منه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلكل منا في هذا المشهد المهيب نصيب، الفرق في التوقيت والوقع فقط.
فأين منا فهم حكمة الموت في دنيا تتزين لنا باضطراد ولسان حالها يكرر «هيت لك، هيت لك»؟
وكيف نفلسف مساحة القبر المحدد بقياس أجسادنا تماما، بين صخب الأشياء التي تؤكد كل يوم أننا معنيون بقول الله «ألهاكم التكاثر»؟
وما قصة الرداء الوحيد الأبيض الملتف حولنا بينما كل ملابسنا المزخرفة تتباهى في أرفف وخزانات خلفناها لجهلنا بالخزائن الحقة التي نحتاجها؟
والصمت المطبق بعد حياة من الثرثرة لا ندري أملك يمين وثقها أم شمال؟
ووقع الأقدام تغادرنا بينما أرجلنا التي سيرناها في كل الجهات طوافا في الكرة الأرضية مربطة مشلولة عاجزة عن نجدة نفسها واللحاق بهم؟
وصرنا إلى وحشة المكان، حيث لا وفاء إلا من عمل صالح متقبل، يسبقه رب وفق لذاك العمل، ورزق صاحبه قلبا سليما.
ان لم يكن هناك عقيدة وإيمان فلن يقوى أحد على فك شيفرة علامات الاستفهام أعلاه، وتحويلها الى ابتسامة رضا ويقين بمآله فيبدأ بالتجهيزات بلا تباطؤ.
لذلك اليوم أعدت، فعاشت وهي غنيمة، وبرحيلها هي غنيمة ايضا، فنسأل الله ان يخلفها من غنائم فضله الواسع ما يليق بكماله وجلاله ويجعل لأمنا غنيمة المرزوق أوفر الحظ والنصيب في كل خير، خزائنه بيده، إليه الفرار وهو خير الجوار.

أضف تعليق