مساعد الشيطان يتحدى!!
بقلم ذعار الرشيدي
قبل 25 عاما شاركت في مسرحية قصيرة في احد المهرجانات الثقافية، ولم يكن اختيار القائمين على المسرحية لي بسبب موهبتي في التمثيل التي لا أملكها أصلا، بل لأنهم كانوا بحاجة إلى كومبارس صامت يؤدي دور «مساعد الشيطان»، كما لم يكن اختيارهم لي بسبب قدراتي «الكومبارسية» بل لأنهم يومها لم يجدوا أمامهم غيري بعد أن اعتذر الكومبارس الأصلي عن عدم الحضور، وقبلت بالدور أصلا لأنه لم يكن يتطلب مني سوى الوقوف صامتا طوال العرض حتى يقول زميلي الذي يلعب دور الشيطان في المسرحية «احضر لي الجمر»، ودوري كله ينحصر بالإضافة إلى الوقوف صامتا طوال العرض في أن احمل مبخرا مملوءًا بالجمر من أقصى المسرح إلى منتصفه، حيث يقف الشيطان ليلقي بوسطه مجموعة من قطع البخور ليتصاعد دخانه ويصرخ بجملة«سأريهم ما سأفعل» ثم يضحك ضحكته الشريرة وسط سحابات دخان البخور ليكمل بعدها دوره ومن ثم أعود إلى حيث كنت أقف كمزهرية في «بيت عزابية». الصالة كانت ممتلئة عن آخرها والحضور يتعدى الـ 300 شخص والذين حضروا ليشاهدوا عرضا مسرحيا توعويا جادا، وكنت أقف كما طلب مني، وعندما حان أداء دوري ذهبت لحمل المبخر الحديدي كما يقتضي الدور، ولكن ولأن حرارة الجمر كانت قد تسللت إلى حديد المبخر دون علمي، ما إن لمسته حتى احترقت يداي وهنا صرخت لا شعوريا من الألم بطريقة هستيرية، ولكن وعلى الرغم من الألم والحرارة الشديدة إلا أن ذلك لم يمنعني من أن أؤدي دوري، ومعها بدأت بمحاولات يائسة لحمل المبخر الحديدي فتارة أحاول حمله بواسطة تغطية يديّ بأكمام قميصي وتارة بتغطية يديّ بعباءة الشيطان السوداء التي أرتديها، وكل هذا وانا ومع كل محاولة كنت أصرخ من الألم، لم أنتبه خلال محاولاتي الإخلاص بأداء دوري إلى أن الجمهور بدأ يغرق في الضحك، بل إن عدوى الضحك وصلت إلى زملائي الممثلين والمخرج وكل من كان يقف خلف الكواليس، بمن فيهم «عبد المحجوب» عامل الشاي، وغرق الجميع في وصلة ضحك، حاول معها الممثلون إكمال ما تبقى من المسرحية رغم أن بعضهم نسي جمل حواره من الموقف دون ان احضر المبخر الساخن، وهو ما اضطر المخرج لأن يقوم بمحاولة يائسة لإنقاذ المسرحية فقام بسحبي من المنصة، وعيناه تكادان تدمعان من شدة الضحك.
المفارقة أنني أصبحت يومها بين الجمهور أشهر من الشيطان نفسه، أعني زميلي الممثل الرئيسي الذي أدى دور الشيطان، وسبب شهرتي المؤقتة أنني ولسبب لا دخل لي فيه قمت بتحويل مسرحية جادة إلى مسرحية هزلية.
لم استذكر هذه الحادثة التي مضى عليها أكثر من ربع قرن، إلا بعد أن رأيت أن مساعدي شياطين السياسة لدينا يصبحون أكثر شهرة من شياطين السياسة أنفسهم في أحيان كثيرة.
ولنكن أكثر وضوحا، الدمى السياسية التي يحركها سادة الدمى من خلف الكواليس اصبحوا اكثر شهرة من سادتهم، ذلك أن الدمى يخوضون حروب الوكالة نيابة عن سادتهم.
مشكلتنا باختصار أكثر، أن الصراع السياسي في معظمه والذي نراه اليوم في أي معترك سياسي هو انعكاس لصراع الكبار للنفوذ، والمصيبة أن لا الدمى ولا سادة الدمى يدفعون فاتورة الصراع، بل نحن الشعب ندفعها من مشاريع بلدنا ومستقبلها ومستقبلنا ومستقبل أولادنا، بل وندفعها دون رغبة منا في امن واستقرار بلدنا في بعض الأحيان، وهذا يجب أن يتوقف تماما، فلم يعد لدينا ما ندفعه أكثر ولن ندفع أكثر.
توضيح الواضح: خمسة أو ستة أو حتى عشرة متهاوشين… إحنا الشعب شكو؟

أضف تعليق