أقلامهم

خلود الخميس: لماذا هذا الكم الكبير من الفرح بفوز سعود السنعوسي بجائزة لروايته «ساق البامبو»؟

سعود فاز بساقه والكويت معه..


كتب المقال: خلود عبدالله الخميس 
سعود السنعوسي روائي كويتي حصل على جائزة البوكر للرواية العربية، وهو أول فوز للكويت فيها، قفزنا في الكويت من الفرح، مثل أطفال قبيل فجر العيد، يغمضون عينا ويفتحون عينا بانتظار بزوغ الشمس تبشيراً بقرب «العيدية»!
سألت نفسي لماذا كل هذا الفرح لجائزة، رغم أني شخصياً لا أبالي بالجوائز والقرارات التي يأخذها الآخرون لتصنيف الإبداع وحصره في عمل واحد، بينما قد يكون هناك آلاف من الأعمال متعادلة في الروعة، ولكنه نظام عالمي للتنافس والتفاضل، يجب أن يبرز واحداً فقط منها وأيضاً لا أدري لماذا واحد فقط؟
قوانين أقروها في مكان ما وزمان ما، ونحن جزء من المنظومة، لا يهم ذلك الآن، ما يهم أننا فرحنا لفوز ابن الكويت بإحدى تلك الجوائز الأنيقة، ولكن بقي التساؤل: ما سبب «كل» هذه الجرعة من الفرح؟ لماذا لم نفرح قليلاً ونمضي؟ مثلاً!
لأحصل على إجابة على السؤال السابق، وجدت نفسي، من تكالب فرط جنون نون النسوة بالسرد والتفاصيل من جهة، والكتابة من جهة أخرى، في دهاليز عدة متشابكة ترسم العراقيل التي تواجه معشر عشاق الحروف وصف الكلمات ووصف الأحداث، الرواة والكتاب والشعراء وغيرهم.
وتبادر لي تلك التساؤلات: ما التحديات التي يحتاج الأديب التفوق عليها؟ ما الأسلحة التي عليه حيازتها لينتصر في بيئة تنافسية غير عادلة في الغالب؟ والأسئلة الأهم برأيي: ما الأدب؟ وما الانتصار؟ وهل الأدب يستحق العناء للحصول على النصر فيه؟ فتركت السؤالين الأوليين لتفكيركم، وأجبت آخر ثلاثة.
أرى أن الأدب ليس إلا كسرا للتوقعات، وإحباطا للألم، وتعبير عن الغضب من الواقع، ودحض للمثبطين، أظن الأدب ترويجا لمشاعر الداخل المحرم على العامة الاختلاط بها بلا وجود محرم يشرعنه، وهو الفعل الفاضح الذي يضفي عليه الورق الكساء ليستره، الأدب حالة خاصة لا تتشابه بين الأدباء، رحلة لا خطوط طيران معلنة لها، ولا مواقيت، ولا خرائط معتمدة في أطلس العالم، الأدب علاقة حب مع اللغة، وعلاقات الحب شائكة في بداياتها ونهاياتها، مدها وجزرها، هيجانها وهدوؤها، اللاثبات هو منتهاه، هكذا أرى الأدب، لا يخضع لمعايير ثابتة للنصر بجائزة ما.
إذاً فالانتصار ما هو إلا إيمان شخصي «جداً» بأن هناك إحاطة ورعاية خفية تدفعك لأعلى عندما تشعر أن كل الأيادي الظاهرة تحاصرك لتدفنك في الأسفل، هو الصوت الواثق الذي يهمس لك برقة أنك في الطريق الصحيح عندما يكرر الصراخ من حولك ويردد أن طريقك خطأ، بل وخطر، النصر أن تمارس الأدب مثلما تمارس الحب، تستمتع بوقتك، ولا تأبه بالنتائج.. هكذا أرى الأدب.
والآن أستطيع أن أجيب على السؤال في أول المقال: لماذا هذا الكم الكبير من الفرح بفوز سعود السنعوسي بجائزة لروايته «ساق البامبو»؟
إن الأديب أو الروائي أو الكاتب أو الشاعر.. أو أسموه ما شئتم، لفت انتباه العالم لخلطته السرية التي صفها في عمل متكامل، وصارت تعرض فوق أرفف المكتبات، وتنفد لتهافت المتهافتين للشراء.
إن أحدهم اعترف بحقه في أن يكون تلك المنظومة المسماة «رواية» أو «ديوان» كيف يشاء.. وأن ينقل من خلالها ما أراد، ويسطر حتى في بياض الورق مشاعره غير المنطوقة، أن يحترم هذا الـ «أحدهم» تعبيره عما يتراكم في مخيلته، ويضيء له اللون الأخضر ليتقدم بالسرعة التي تناسبه في عرض شخوصه بأي تفصيل يحبه، أن يكون حراً ويكافأ على حريته.
نعم.. الأدب يستحق العناء، لأن لا عناء مع الفطرة، فما من أديب إلا ذو موهبة، فكيف يعاني من انسياب جماله الخاص بين يديه؟ وهذا هو منتهى النصر، أن يكون الأديب «هو» عندما يكتب وبلا ترتيب للحصول على جائزة ما، ثم تأتي جهة محايدة وتختار عمله وتضع عليه الرقم «واحدا» وهو لم يفعل إلا ما أحب وشاء واشتهى.
فرحنا في الكويت لأننا لم نفرح منذ زمن، فالأجواء الثقافية مشدوهة في جنون وتيرة سرعة السياسة، فلم نعد نفرح مثلما كنا نفعل سابقاً، المثقف والأديب بطيء المراس، يتعامل مع العمل الذي بين يديه كمعماري، يعيد التصميم مراراً ومراراً حتى تضبط معادلة الجمال والإتقان، وإلا مزقه وبدأ من جديد، غير آبه للتوقيت، بينما السياسي لا جمال ولا إتقان، سباق كراسي فحسب، المهم من يصل أولاً والثاني خسارته كالموت، ولأنه فوضوي ومرتفع الصوت غطى على الأديب «الرائق» بطبعه، حتى صارت جرعته في يومنا مميتة، وتراجع الجمال لطغيان البشاعة.
فرحنا لأن سعود شاب في مطلع الثلاثين، فقد عشنا وعاصرنا أزمة الأدب والأدباء الكبرى، حسد الذين سبقوهم في العمر معتبرين الإبداع «كار» وأن الموهبة أيضاً تخضع للأسبقية أو للمشيب هيبة، وكأن للجمال «رعيل أول» يعمد الملتحقين الجدد!
الكويت الواحة الحانية التي عرفناها مصدرا للحياة بكل ما تعني هذه الكلمة من حب وعطاء وبذل، فرحت وانتصرت مع سعود وساقه، ولعل ذلك بشير لخير آت.