“عصر التنوير” وهو القرن الثامن عشر كما يحب أن يسميه الأوربيون، ظهر كاتب وفيلسوف ذاع صيته بسبب سخريته الفلسفية الظريفة ودفاعه عن الحريات المدنية خاصة حرية العقيدة، كان يثير الجدل بين الأوساط بسبب آراءه الجريئة وقد عرف هذا الشخص باسمه المشهور “فولتير” واسمه الحقيقي فرانسوا ماري أرويه، لقد آثر “فرانسوا” أن ينشر نتاجه الثقافي والمعرفي والفكري باسم مستعار حتى يبتعد الناس عن مناقشة شخصه إلى مناقشة فكره وقد حققت هذه الخطوة هدفها ومن منّا اليوم لا يعرف “فولتير” الذي صار اسمه المستعار أشهر من شخصيته الحقيقية، وباتت أفكاره ومقولاته تردد إلى اليوم، والأمثلة كثيرة في التاريخ الغربي، وعند العرب ظهرت أيضًا أسماء مستعارة.. مثلًا “الفرزدق” وهو اسم مستعار للشاعر همام بن غالب وكذلك “تأبط شراً” اسم مستعار للشاعر ثابت بن جابر وفي عالمنا الحاضر “أدونيس” وهو اسم مستعار للشاعر علي أحمد سعيد، وكذلك “سومر” وهو لقب كان لمحمد الماغوط وقد سبق لغسان كنفاني أن كتب مقالات باسم “فارس فارس” .
وجاء تعريف الاسم المستعار في موسوعة المورد لمنير البعلبكي 1991: “هو اسم وهمي يستخدمه شخص ما (أو في بعض الأحيان مجموعة من الأشخاص) بغرض إخفاء هويته الحقيقية، وذلك لخوفه من التعرّض للاعتداء من قبل الآخرين الذين لا يتفقون معه في الرأي”.
في عالم الانترنت:
بما أن “الأسماء المستعارة” لم تكن وليدة هذا العصر، وإنما لها سوابق فالكثير نشر وكتب ما يشاء بأسماء مستعارة، ومهما اختلفوا في الأسباب لكن يبقى أن الأمر كان له وجود مسبق وفي عالم الانترنت وهو العالم الافتراضي المصغّر الذي تنعكس عليه أحداث العالم الحقيقي ظهرت الأسماء المستعارة في هذا العالم، ولعل بدايتها كانت في المدونات فكثير من المدونات انتشرت واشتهرت بأسماء مستعارة ونشروا فيها مالم يتمكنوا نشره في الصحافة الورقية، وبعد صعود المنتديات ظهرت المعرفات المجهولة أيضا لدرجة أن الكثير من رواد المنتديات كانوا يحرصون على متابعة عضو معين وكانت المنتديات تتسابق لاستقطاب الأعضاء النشطين، ومن ثم ظهرت المحادثات الكتابية ولعل من أولها الــ IRC وهو عالم المحادثات الكتابية وهو الأكثر اشتهاراً بالأسماء المستعارة ونادراً ما كان المستخدم يدخل باسمه الشخصي، وبعدها ظهر عالم البالتوك وهو المحادثات الصوتية وقد كانت هناك “غرف” للمحادثة دخل فيها من الشخصيات المشهورة والمعروفة على المستوى الديني والسياسي منهم من دخل باسمه ومنهم من استخدمه باسم مستعار ومع الوقت كشفت شخصيته، وكذلك ظل الأمر وانتشر في عالم محادثات الجافا الكتابية ومنها ما كان مشهور بالكويت مثل ( كويت 25 – كويت 777 – أوز كيو ايت ) وكان أغلب المستخدمين يشاركون بهذه المحادثات بأسماء مستعارة، وعند ظهور نجم الشبكات الاجتماعية ولعل من أولها الفيس بوك انعكست هذه الظاهرة فعلى الرغم من أن استراتيجية الفيسبوك قائمة على شخصية الفرد إلا أن عدد غير قليل استخدمه بمعرفات وهمية، الأمر لم يتوقف هنا وعندما ظهر عملاق التدوين المصغر الطائر الأزرق “تويتر” والذي لا زال يحظى بشعبية كبيرة في الخليج العربي وبقية دول العالم استمرت هذه الظاهرة ولم تتوقف.
الاسم المستعار بين مطرقة الشفافية وسندان الحرية:-
إن اخفاء الهوية الشخصية في عالم الانترنت تختلف الأراء حول اعتباره جريمة أو حرية شخصية، فمن الجانب العلمي الخصوصية تعتبر من احتياجات الانسان وذلك ما ذكره عالم النفس الأمريكي ابراهام ماسلو وصنفه على هرم احتياجات الانسان من ضمن فئة “تحقيق الذات”، فكشف الهوية ودرجة الخصوصية تختلف من شخص لأخر فهناك من يرغب بالكشف عن هويته الحقيقية وهناك من لا يرغب بذلك، وتختلف الأسباب وتتنوع حسب المجتمع وحسب الجانب الذي يخوض فيه المستخدم ( سياسي – اجتماعي – رياضي – فني – فكري – ديني ،، إلخ ) ، ففي بعض المجتمعات تكون الأسماء المستعارة متفشية وذلك لظروفها السياسية وفي مجتمعات أخرى تكون الأسماء المستعارة أمراً مشبوها خصوصا عندما تكون الحاجة إلى التخفي غير ضرورية، وفي النهاية يبقى هذا الأمر حرية شخصية يحق للمرئ أن يمارسه لذلك سنتطرق للاستخدام الايجابي والاستخدام السلبي.
الاستخدام الايجابي للحسابات المستعارة:-
يكون استخدام الاسماء المستعارة هو الأفضل وأحيانا ضروريا إذا توفرت الأسباب المذكورة أدناه مجتمعة أو أحدها، ورغبة المستخدم بالابتعاد عن شخصنة فكره والتركيز على ما يطرحه من أفكار.. عدم نزاهة الخصوم فهناك خصوم لا يتصفون بشرف الخصومة وعندما يصطدمون بآراء مخالفة لهم يبذلون أساليب انتقامية من الشخص ابتداء من التضييق الاجتماعي،الاقتصادي، وأحيانا تصل إلى قمع حريته والزج به بالسجون وقد تصل ذروتها إلى التصفية الجسدية، وعندما يعطي الاسم المستعار تصور أفضل لنوعية الحساب والموضوع الذي يتطرق إليه بشكل مركز.
نقطة هامة: عندما تكون هناك قيود على حرية الرأي والتعبير وعندما يكون نشر بعض المستندات والحقائق أمراً غير ممكن بوسائل الاعلام الأخرى وعندما يكون المجتمع المحيط سلبي وتكون سلبياته قد تسبب المضايقات الجسيمة تكون الحاجة إلى الحسابات المستعارة مباحة ولكن في الاستخدامات الايجابية فقط.
الاستخدام السلبي للحسابات المستعارة:-
ينعكس الاستخدام للأسماء المستعارة إلى الجانب المنبوذ والسلبي عندما تكون أحد الأسباب المذكورة أدناه تمارس من قبل هذا الحساب:
- التهجم والطعن بأشخاص دون وجه حق دون دليل قطعي.
- إثارة الفتنة والبلبلة والشبهات.
- تشجيع الانقسامات والاختلافات.
- إشاعة الأخبار الكاذبة والاشاعات المغرضة.
- نشر المواد المخلة بالأداب والمنافية للأخلاق العامة.
نقطة هامة: التهجّم خلف الشاشات وإطلاق الشتائم والشبهات على الناس يدل على الضعف النفسي في المستخدم وفي أغلب الاحيان يستخدم للانتقامات الشخصية والنيل من الخصوم وقد يستخدمه البعض على الصعيد الشخصي وقد تستخدمه جهات ومنظمات للتحكم في الرأي العام وتوجيهه والتأثير على المجتمع.
الخلاصة:
إن الحكم على الحسابات الوهمية التي تستخدم الأسماء المستعارة يرتكز على أسس تتضمن مسطرة الأخلاق العامة والقيم الانسانية وتحقيق التنمية والتطور والنهضة الاجتماعية، ولا يعني بالضرورة عدد المتابعين في تويتر أو الأصدقاء بالفيس بوك نجاح هذا الحساب على ميزان العدالة فهناك عدة عوامل تساهم بزيادة المتابعين لا تستند على أصالة تحقيق العدل فيها وهناك الكثير من الحسابات الوهمية السلبية تحصل على عدد كبير من المتابعين في المقابل أن هناك حسابات شخصية ووهمية ايجابية يتابعها عدد قليل من المتابعين وهذا يعكس مستوى الوعي في المجتمعات.
الاستخدام السلبي شديد الضرر أحيانا خصوصا في مجتمعات تعتبر مرتع خصب للاشاعات والنميمة ويتفشى فيها العقول السطحية التي تصعد مع أي موجة وتتجه باتجاه الريح، وقد يستمتع أصحاب هذه الحسابات السلبية بمدى التأثير الذي يحقوقنه لكن تبقى القاعدة التي تقول ” لا توجد جريمة كاملة ” ولابد لخيوط ستؤدي في النهاية لمن يتوارى وراء هذه الحسابات ويمارس هذه الممارسات المشينة.
ابحث عن المستفيد دائمًا.. هناك مصلحة تقود المرئ لممارسة أمر معين وفي ظل الاستخدام السلبي يجب أن ندرك أن هناك مستفيد إما على مستوى شخصي أو على مستوى أكبر وقد يصل الأمر إلى سلطات حكومية تمارس مثل هذه الممارسات لتحقيق أهداف تخدم مصلحتها، وان تلونت واختلفت نوعية ما يتم نشره عبر هذه الوسيلة قد يكون مشابها “كلمة حق أريد بها باطل”.
الاستخدام الإيجابي للحسابات الوهمية يقف على حجم المسئولية الموجودة في ضمير المستخدم، الغاية السامية التي لا تشوبها شوائب فالتحدث بالحقائق ومناصرة الحق لا تتفق مع الشتائم والبذاءات ولابد من الالتزام بشرف الخصومة ولا يمكن توجيه النصائح على شكل فضائح، فالنصيحة تتحقق بالشكل الودي إن كان الطرف الذي يتم توجيه النصيحة له يمكن بلوغه ومخاطبته، وفي حالة عدم امكانية بلوغ الشخص فالابتعاد عن التشهير يكون أمراً محبذاً وان استلزمت الحاجة لضرورة النصيحة فلا يجب على النصيحة أن تخرج عن إطار الأدب والاحترام ويجب انتقاء المفردات بشكل دقيق فسمعة الناس أمر لا يمكن الاستهانة فيه إطلاقًا.
الفضول في معرفة من يقف وراء الحسابات الوهمية هو أمر وارد وهي موجودة في أكثر النفوس ولكن في الوقت نفسه هذا لا يبيح اتهام الناس بدون دليل ويجب أن نتذكر “أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”.
“إرضاء الناس غاية لا تدرك ورضا الله غاية لا تترك فاترك ما لا يدرك إلى ما لا يدرك ” – الامام علي بن ابي طالب عليه السلام والرضوان، قد يحرص البعض على رضا الناس وهذا ما لا يمكن تحقيقه فحتى أغلب الشخصيات المتفق على نجاحها لديها خصوم ومهاجمين بل أن الأمور أحيانا تتعدى الخلق ويتهجم المخلوق متناسيا نفسه على من خلقه، تبقى النوايا التي يعلمها الله وحدها هي ما سيحدد نجاح الهدف ” إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ” وفي الجانب الأخر ستكشف الوجه القبيح الذي يسعى بما فيه المضرة ” ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ” و ” ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار “.
في الختام يجب أن نعلم أن للحرية “حدود” ولا تعني الحرية التعدي على حقوق الأخرين ولابد للحرية أن ترتبط ارتباطا وثيقاً بالغايات السامية وكذلك يجب أن ندرك أن طريق الحق صعب ووعر ويستلزم السير فيه عزم وصبر ورباطة جأش يغذيها ايمان متكامل في النفس يعينها على المصاعب والمشاق.


أضف تعليق