أقلامهم

ناصر المطيري: السخرية السياسية ما هي إلا تعبير عن مكنون الشعوب التي أخذت تتنفس الحرية.

خارج التغطية
النكتة السياسية
ناصر المطيري
قالت العرب قديما : وشر البلية ما يضحك، ويرى علماء النفس ان الانسان عندما يتعرض لضغوط اجتماعية أو ضيق اقتصادي أو استبداد سياسي فانه نفسيا يلجأ لوسائل تنفيسية عن تلك الضغوط والا تحولت الى أمراض وعلل في جسمه.. لذلك ليست هناك وسيلة للتخلص من العواطف المؤلمة ومشاعر الضيق الا بحركة ذهنية داخلية تطرد هذه الآلام خارجا، ولا تتولد هذه الحركة الا بالضحك.
ومصادر الضحك اما ان تكون الفكاهة أو السخرية، وليست الفكاهة كالسخرية بل هما مختلفتان في الأسلوب والهدف فالفكاهة ضحك من أجل الضحك والهزل فقط، بينما السخرية لها اسلوب مختلف وتصاغ بقالب لاذع مؤلم.
والتراث الأدبي العربي زاخر بالأدب الساخر الذي يستخدم الضحك والفكاهة لأهداف اجتماعية أو سياسية ومن رموز الأدب العربي الساخر ابن المقفع والجاحظ وجرير وأبوالعيناء وغيرهم.
في تاريخنا العربي المعاصر استخدمت السخرية السياسية بكثرة فتميزت العديد من الشعوب العربية «بالنكتة السياسية»، وهذا بلا شك انعكاس لحجم الضغوط التي يعاني منها المواطن العربي المسجون في وطنه الكبير خلف قضبان المنع والحجب وقمع حرية الرأي وما تمارسه بعض الأنظمة من استبداد سياسي ضد شعوبها.. لذلك برزت النكتة السياسية كأسلوب تنفيسي ساخر في تعبير عن التمرد على الواقع العربي المؤلم.
وكان العديد من زعماء العالم يتابعون النكت السياسية التي يرددها الشارع، فمنهم من كان يعتبرها كاستطلاع رأي واستفتاء حول شعبيته ومن أمثال هؤلاء الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول الذي قال ذات مرة: لقد تدنت شعبيتي في فرنسا، فأنا لم أعد أرى نفسي في الرسوم الكاريكاتورية ولا أسمع اسمي في النكات السياسية التي تنتقدني.
الرئيس جمال عبدالناصر كانت تُجمع له جميع النكات التي ابتلي بها بعد هزيمة حرب 1967، حتى اضطر لاثارة ظاهرة النكات التي يرددها الشارع في خطبة مشهورة له، فهو أقر بأنه من المستحيل ان يتخلى الشعب المصري عن النكتة التي هي جزء من ثقافته وشخصيته، ولكن الرئيس عبدالناصر ناشد المصريين ان يتقوا الله في انفسهم ويرشدوا النكتة السياسية بما لا يؤذي الشعور الوطني.
وفيما يسمى بزمن الربيع العربي الراهن راجت النكتة السياسية والتعليقات الثورية الساخرة في المظاهرات وما خطته أقلام الكتاب الساخرين وما تتضمنه تغريدات المغردين والمدونين من «غمز ساخر ولمز طريف»، ولعلنا هنا نستشهد بما قالت العرب قديما: شر البلية ما يضحك وهذا الغمز واللمز والسخرية السياسية ما هي الا تعبير عن مكنون هذه الشعوب التي أخذت تتنفس الحرية بعد عقود من زمن القهر العربي.