أقلامهم

سعدية مفرح: متى يبدأ ربيعنا الثقافي؟

أسفار 
متى يبدأ ربيعنا الثقافي؟
الاسم: سعدية مفرح
الحديث عن الثقافة في ظل أوضاع سياسية مضطربة يعيشها الوطن العربي بأكمله ليس ترفاً بقدر ما هو ضرورة، وهي تستكمل فصل «الربيع العربي»، بعد أن كانت الحالة الثقافية نفسها إحدى إرهاصات ذلك «الربيع» من خلال بعض الإشارات الحية لبعض المثقفين العرب الذين عاشوا خصوصية الحالة الثقافية من دون أن ينفصلوا عن مشاعية حالة الجماهير، بكل تجلياتها، في كل مكان.
لا نضيف جديداً عندما نقول إن الثقافة حالة غير قابلة للتعريف الأكاديمي الدقيق، حالها حال كل المعاني الجميلة في الحياة، ولكننا على الأقل نستطيع أن نصفها كحراك معرفي مستمر وفاعل يتعدى الحالة الفردية، حتى إن عاشه الفرد وحده.
وهذا الوصف لا يغني عن «التعريف المستحيل»، ولكنه يشير إليه من بعيد، أو على الأقل يساعدنا على استهجان ذلك التعريف التسويقي للثقافة والذي يقدّمها باعتبارها «مهرجاناً ثقافياً» أو «ملتقى إبداعياً» أو «معرض كتاب» أو «أمسية شعرية» أو «معرضاً تشكيلياً» أو أكاديمية فنون أو سلسلة كتب أو دار نشر أو ندوة نقدية أو مركزاً ثقافياً أو.. أو… إلخ من تلك «الأدوات» والفعاليات والأنشطة الثقافية التي «تتبرع» بها لنا المؤسسات الرسمية في بلادنا العربية لتوهمنا بأنها تقدّم لنا «ثقافة»، خصوصاً أن أغلب ما تقدّمه تلك المؤسسات الرسمية مجرد مشروعات وفعاليات مفتعلة واستعراضية لا يعنيها الشأن الثقافي أو العملية الإبداعية بقدر ما يعنيها تجميل وجوه المسؤولين عنها أمام مسؤوليهم أولاً وأمام الجماهير أخيراً. ولعلنا نلاحظ أن الكثير منها تحوّل بعد سنوات على نشأته إلى مجرد أنشطة سنوية استعراضية (وأحياناً سياحية) فقط.
إن هذا كله، من جانب آخر، لا يمنع من محاولة الاستفادة من تلك الفعاليات والمهرجانات والملتقيات وغيرها من عناصر الثقافة الرسمية، قدرالإمكان، ولو بأضعف الإيمان، كأن تكون مثلاً فرصة لتناول وتداول المعرفة، التي هي واحدة من مصادر الثقافة، كما أنها قد تكون وسيلة مهمة للشعور بأهمية الثقافة في بناء الفرد ومن ثم المجتمع. وهي أيضاً، وبشكل مبسط، قد تكون طريقاً سهلاً لتعميم الحالة الثقافية بين الناس على اختلافهم وبين المثقفين أنفسهم.
بالإضافة إلى أن ترسيخ فكرة مثل هذه الأنشطة المختلفة، حتى وإن كانت فكرة منقوصة أو مشوهة مثلاً، يساعد على جعل الفعل الثقافي فعلاً يومياً في الحياة، والترويج له في ظل متغيرات متسارعة في اهتمامات الناس، وهذا مهم وضروري. ثم إنه من جهة أخرى يسهم في خلق مناخ ثقافي عام يساعد على تكوين الحالة الثقافية في بلد ما، بشرط وجود هذه الحالة أصلاً، فوجود المهرجانات لا يخلق الثقافة من عدم، وعدم وجودها في المقابل لا يستطيع أن يفني أو حتى ينفي الحالة الثقافية الموجودة أصلاً، وكثير من تجارب البلدان الخليجية تحديداً في السنوات الأخيرة تشهد على ذلك. فقيام بلد معين ببناء أكاديمية أو شراء أوبرا أو استعارة اسم مسرح عالمي أو استضافة معرض دولي لا يعني النجاح في «صنع» ثقافة في ذلك البلد من دون الاهتمام بتوفير مناخ حقيقي لاحتضان الحالة الثقافية، كتوفير الحريات بأنواعها على سبيل المثال. وبالتالي، لا يمكنني أن أشارك المعجبين بالتجارب الخليجية المجاورة على صعيد الثقافة والفنون إعجابهم من دون أن أرى «حالة ثقافية حقيقية» في إطار إبداعي حر ومنجز، ومن الصعب عليّ أن أشيد بتلك التجارب التي تعتمد على بناء الحجر قبل تنمية البشر، وعلى تنمية البشر في إطارات مرسومة سلفاً لتناسب «حجم الحريات» المتوافرة في تلك البلدان.
ولذلك من السهل جداً بالنسبة لي الإشارة إلى أن الحالة الثقافية في الكويت تعتبر في الوقت الراهن هي الأفضل خليجياً، بالرغم من اهتمام معظم شقيقاتها الخليجيات في السنوات الأخيرة بما يمكن أن نسميه «صناعة الثقافة». فصحيح أن تلك الدول سبقت الكويت في توفير متطلبات الحالة الثقافية وبناء الكثير من عناصر البنية التحية لها، إلا أن هامش الحريات في الكويت أوسع بكثير مما هو موجود في تلك الدول، مما يجعل الحالة الثقافية فيها، رغم كل النواقص، تتفوق.
وهو تفوق، كما أشرنا، إقليمي وحسب، ولا يمكن أن يكون هو السقف المعياري، ولكنه على الأقل رد على من ينتقد حالتنا الثقافية مقارنة لها مع أحوال الثقافة في البلاد الخليجية الأخرى.
أما إذا أردنا تقييمها بشكل خارج الإطار الإقليمي، فسنجد أنفسنا في وضع لا نحسد عليه، راهناً ذلك أن ما راكمه المثقفون والمبدعون الكويتيون منذ بدايات القرن العشرين وحتى الآن، من إنجازات فردية تساوقت مع إنجازات الدولة على الصعيد الثقافي مع بدايات الاستقلال حتى سنوات قليلة مضت، يستحق من المؤسسة الرسمية الآن ما يجعلها تتعدى الحالة الفردية لتكون حالة عامة، تستطيع الكويت من خلالها أن تستعيد صورتها الثقافية القديمة المتقدمة عربياً… لا أن تبقى في إطار المقارنة الإقليمية الساذجة والخادعة وغير الصحيحة بالنسبة للكويت ولدول إقليمها أيضاً.. فمتى يبدأ ربيعنا الثقافي؟
سعدية مفرح