يسقط مرسي.. يبقى مرسي
كتب المقال: علي الظفيري
تبدو ثورة 25 يناير اليوم مثل قطار بلا قيادة، يسير بالسرعة القصوى في كل أنحاء البلاد، حاملا الجماهير المصرية أسرى في داخله، البعض في كبائن خاصة مستقلة، والبقية توزعوا على الدرجات المختلفة، منهم من في الدرجة الأولى، يحصل على بعض الامتيازات من قهوة وظهور دائم في وسائل الإعلام، وآخرون في الدرجة العامة وعلى أرضية القطار، وبلا امتيازات سوى الآمال المعلقة على وصول القطار إلى محطته النهائية، وعلى الاختلافات الكبيرة بين ركاب القطار، إلا أن المصير الذي ينتظرهم واحد، ولا يميز بين فئة وأخرى، ولا مجال للعودة إطلاقا، التذاكر التي قطعها الشعب المصري قبل عامين ونصف لا يمكن استرجاعها، والرحلة في اتجاه واحد، الديمقراطية أو الهاوية.
شعاران سائدان في الشارع المصري، الأول يطالب برحيل مرسي والدعوة لانتخابات مبكرة، والآخر يرفض الأمر جملة وتفصيلا، ودعونا أولا نتبنى مطلب حملة «تمرد» المنادي برحيل الرئيس، ودون نقاش في شرعية المطلب أو مبرراته، ولا التشكيك بمن يقف خلفه ويدفع باتجاه تحقيقه، ولنفترض أن الرئيس محمد مرسي قَبل الليلة التنازل عن الرئاسة والدعوة لانتخابات مبكرة، ونتساءل بعد ذلك: ماذا لو عاد مرة أخرى في الانتخابات القادمة؟ وهذا وارد بدرجة كبيرة، ماذا سيتغير؟ وإذا كان الرئيس صاحب أكبر قاعدة شعبية وحزبية منظمة قبل إقالته عبر النزول إلى الشارع، فماذا ينتظر أي رئيس آخر يمكن أن ينتخب بعد مرسي؟
إن المطالبة بإقالة رئيس منتخب كارثة وحدها، فما بالك في حدوث ذلك في بلد مثل مصر وفي هذه الظروف تحديدا، هذا الخيار سيأخذ البلد إلى انقسام حاد وخطير لا يمكن تجاوزه في عقود، ورفع الشعار يدل على عدم وعي سياسي وأنانية عالية عند الخصوم السياسيين لمرسي، وهناك أكثر من طرف يشعر بأنه سيكون الرئيس القادم في حال انتخابات تعقد في هذه الظروف، وهذا صحيح في تقديري، لكن على حساب ماذا سيتحقق هذا الأمر؟ جماعة الإخوان لن تقبل إزاحة رئيسها المنتخب بشكل ديمقراطي، والاحتكام للشارع لن يكون المرة الأخيرة، وستختلف طبيعة المواجهة قطعا عن المرات السابقة، وهذا ما يجب أن يحظى بالتفكير قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة.
حتى الآن لم نتحدث عن الأسباب التي تدعو لإقالة الرئيس، وهل هي أسباب كافية ومقنعة لتبني هذا المطلب، يستطيع مرسي أن يتحدث لك طويلا عن معاناته كرئيس، فعل ذلك الأربعاء الماضي في ساعتين ونصف، ولم تكن كافية له لعرض كل شيء، والجمهور المؤيد له يمكن أن يناظر في أفضليته ونزاهته وغير ذلك من صفات، وكثير مما سيخبرك به صحيح، لكن المشكلة ليست في التفاصيل، ماذا فعل هو، وماذا فعل الآخرون، بل إن المشكلة ليست في بقاء مرسي أو رحيله، مصيبة مصر في عدم وجود نخبة سياسية واعية وتتطلع للمستقبل، الصراع الحالي قائم على اقتطاع أكبر جزء من البلد لصالح هذا التيار أو ذاك، وجماعة الإخوان المسلمين تتعامل مع المشهد بشكل مأساوي، من جهة ترى أنها ظلمت كثيرا وهذا وقت التعويض، وأنها زرعت وهذا وقت الحصاد، وأنها صبرت وهذا وقت النيل، وكل هذه الخزعبلات لا علاقة لها بالواقع، وكل ادعاءات النهضة التي ترددها واهمة، الشيء الوحيد الذي ينتظر نهضتها هو مكتب الإرشاد، والعقلية التي تفكر فيها.
إسقاط مرسي مسألة صعبة جدا، على المطالبين بها والمعارضين لها، وعلى مصر في هذه المرحلة، ما يجب أن يحدث هو التصدي لعملية بناء نظام ديمقراطي مستقر، وهذا ما يجب التمرد لأجله، والرضوخ له من كافة الأطراف، لن تنتهي حكاية الفلول والأموال والإعلام والإخوان ما لم يحدد المشروع الديمقراطي ونواقصه، وما يجب عمله لإتمام هذا المشروع، كل طرف يملك هدم القدرة على البلد بسهولة، لكن العمل على استقرارها واكتمال مشروعها الديمقراطي هو المهمة الصعبة، والليلة تمثل فرصة حقيقية للبدء في ذلك مرة أخرى.


أضف تعليق