إن القبيلة بتكوينها الإجتماعي العريض تقف حجر عثرة بل حاجز صد أمام محاولات بناء أي نهضة علمية كانت أو غيرها ، إذا حمل أبناءها في وجدانهم ذلك الرابط العرقي الذي يطغى على كل الروابط الفكرية الممكنة، ليس هذا حديث “صفصفه” إنما واقع سنتطرق له في هذا المقال بنوع من التفصيل مع بعض الحلول الممكنه.
العلة والمعلول:
جبل الإنسان -الذي يعتريه الكثير من القصور- على طلب الخير لنفسه ودفع المفسدة عنها ، تلك فطرة نحس بها في ذواتنا في كل حادث يعترضنا، إن في القرون الأولى حيث يعيش الإنسان في بيئة أشبه بغابه، وجد نفسه مضطراً الى الإندماج في جماعة يجبر بها قصورة والكفيلة بجلب الخير له ودفع المفسدة عنها في بيئة البقاء فيها للأقوى. ليس بمقدور الإنسان في تلك البيئات البقاء منفرداً لذا تحثه الفطرة على الإندماج في مجموعة والتي تكون في أفضل صورها الآمنه أبناء العمومه، فيتشكل هيكلها التنظيمي على أساس القوة سواء كانت هذه القوة دهاءاً أو مالاً ، ويحل في وجدانها العام أن الأفضلية للأشرس قتالاً أو الأكرم عطاءاً.
لذا فإن تكوين القبيلة يكون بتلك الرغبات الفطرية في تلك البيئات التي لا يسود فيها الا قانون الغابه “عقلية البقاء للأقوى”. لكن حينما تنتقل القبيلة جبرياً الى الدولة المدنية حيث النظام والقانون الذي ينظم حياة الناس، فإن في تلك اللحظة التي يطغى قانون الدولة والنظام العام على قانون القبيلة تجد أن القبيلة تذوب تدريجياً في المجتمع وتندمج مع باقي أطياف المجتمع فلا يبقى من قوانينها “السلوم” الا ما يدور في الفلك الإجتماعي البحت. وهذا طبيعي جداً لأن بإنتفاء العلة ينتفي المعلول ، وبزوال الأسباب التي تكونت بسببها القبيلة يندفع أبناءها الى الإستقلال بذواتهم في دولة قانونها فوق قانون القبيلة.
بورصة القبيلة:
إن القبيلة لايمكن ان تموت بحكم العلاقات العرقية الأزلية لكنها قد تنحسر، أن نفوذ القبيلة يتناسب عكسيا مع نفوذ الدولة ، إن المكان الذي تعم به الفوضي ويتراجع في فيه تطبيق القانون يجد فيه أبناء القبيلة –مضطر أخاك لا بطل- أنهم مضطرين الى التمترس بالقبيلة حيث الأمان النفسي، والذي يعيد المجتمع الى احياة الغاب. وإذا فرض القانون في الدولة مره أخرى سترجع القبيلة لتذوب في القالب الإجتماعي العام مرة أخرى. فهي أشبة ببورصة معيارها مدى إستقامة نظام الدولة العام.
القبيلة والنهضة:
في البيئة الفوضوية ، فإن تشكل القبيلة برباطها العرقي أمر طبيعي ومحمود أيضا، حيث السيادة للأقوى ، لكن في الدولة المدنية فإن العقلية التي تكونت بسببها القبيلة “فرض القوة” تتعارض مع أبجديات الإصلاح الفكري والإجتماعي المدني وغيره لذا فوجود القبيلة بمثل هذا التكوين العرقي سيُفشل المحاولات الإصلاحية ولنا في الإنتخابات البرلمانية في الكويت خير مثال حيث لا زال بعض أبناء القبائل يطغى رابطهم العرقي على أي رابط فكري ممكن، بل إن الأدهى والأمر هو تسلل هذه العقلية الى بعض الأحزاب والحركات السياسية والتي أصبحت قبيلة في تكوينها العام.
في البلاد التي تعيش فوضي نظامية وقانونية، حينما يحاول بعض أبناء القبائل – وقبل التحرر من عقلية القبيلة – الانخراط في الإصلاح السياسي تجد ملامح هذه الحركات والتجمعات ذات صبغة قبلية تتفك مع أول خطوة تتعاطى فيها السلطة معها. إن أي حركة إصلاحية في أي دولة يتعزز فيها الفكر القبلي ستجد هذه الحركة نفسها تدور في حلقة مفرغة ما لم يخرج أبناء القبائل من ثكناتهم القبلية والعقلية السائدة الى رحاب الدولة المدنية حيث الحراك الإصلاحي الواعي.


أضف تعليق