أقلامهم

ريم الميع: في صحوة الموت في خضم التشابك بين الربيع والخريف، اختلطت الأمور لدينا بين الثورات والانقلابات.

كَلام مر 
الربيع الفلبيني 
بقلم.. ريم الميع 
ذكر المرحوم د.أحمد الربعي عن زيارته لمتحف في مانيلا، احتوى على أجنحة مخصصة لمقتنيات رؤساء الفلبين السابقين، أن المرشد في المتحف كان يعلق قائلا: هنا جناح الرئيس المحترم فلان، ثم يمضي للجناح الذي بعده مكررا العبارة ذاتها التي استفزت الربعي، ليسأله في نهاية الجولة: هل كلهم محترمون حقا؟ فأجابه المرشد: ما أستطيع تأكيده أنهم جميعهم أحبوا الفلبين، سواء أخطأوا في حقها أم أصابوا.
منذ بدء الربيع الفلبيني في العام 1986، بإزاحة الرئيس ماركوس وزوجته أميلدا، ذات الأحذية الكثيرة، والفلبينيون يلجأون إلى ديمقراطية الميدان، ويغيرون نظاما بغيره، ليكتشفوا أنه أسوأ من سابقه، فيعودون ويغيرونه بغيره من جديد، رغم اقتناعهم بأن رئيسهم محترم رغم سوئه. 
هذا في الفلبين..! 
وفي بلاد العم سام، أو «الخال» أوباما، يتغير الحزب ويستمر النهج، أما في بلاد العرب، أوطاني، فقد يبقى الحزب الحاكم، ولكن بتغير الحاكم نفسه يتغير كل شيء فـ «كلما جاءت أمة لعنت ما قبلها»، أما النهج؟ سلملي عالنهج.. فبمجرد تغيير الحزب يصدر الحاكم أو حزبه الجديد قانونا يقضي باجتثاث الحزب الحاكم السابق، ثم سرعان ما يعود لينتقم!
نحن أمة انشغلت عن مستقبلها بالانتقام من ماضيها، حتى في أنظمتنا الوراثية، كم من ابن كرس مبدأ «لن أعيش في جلباب أبي»، والضد يظهر قبحه الضد لدينا.. أحيانا، فكم جماهيرية تحولت أو كادت تتحول وراثية، سواء كان الشعب «عاوز كدة» أو الشعب «مش عارف عاوز إيه أصلا»، وكم من «ارحل» صارت «آسفين»، ثم عادت لتتحول «احنا مكملين»!
الجماهير من أيام «هاي هتلر» وحتى أيام «ما لنا غيرك يا الله» والحماس دينها وديدنها تتبع القيادة ولا تعرف «لوين رايحين؟». أو تقود القيادة إلى «منين يودي لفين؟»، فتدور دوامات التغييرات نحو المجهول، كما يكرر التاريخ نفسه أو يستنسخها، فحماس كثيرين من تغيير ما هو قائم يجعلهم يغفلون أو يتغافلون ما هو قادم، وكثيرا ما يكون القادم أسوأ من القائم، فيصبح حالنا كحال الشاعر العربي، حين قال:
رب يوم بكيت منه فلما 
صرت في غيره بكيت عليه!
عرفنا خريف الغضب في مصر، وثورة الياسمين في تونس، وعندما قال بن علي جملته الشهيرة: «فهمتكم»، قبل أن يترك الجمل بما حمل.. لم نفهم شيئا، خرجت الجماهير في مصر فخرج عليهم، عضو الكنيست الإسرائيلي السابق، عزمي بشارة، ليقول لنا مالي أرى الربيع جاء مبكرا لدى العرب؟ فصدقناه وصدقنا أن الربيع أزهر، ونحن نرتجف من شدة الصقيع.. ننتظر التصديق على شهادة وفاة يكتب فيها: أمة قضت نحبها بجرعة سياسة زائدة!
وفي صحوة الموت في خضم التشابك بين الربيع والخريف، اختلطت الأمور لدينا بين الثورات والانقلابات، بين العسكر والديمقراطية، بين نفذ ثم ناقش، وبين ناقش ثم قرر، بين عاش ليقود، وقاد ليعيش، فصدقنا ما نريد تصديقه أكثر من تصديقنا لما يصدق!
وحين انفرطت سبحة التحالفات، كم من صديق بات عدوا، وكم من عدو أصبح صديقا، وكم من مدبر رأينا جل مساوئه تبرز جليا لنا، ثم تتلاشى حين يقبل، وحين يرحل ولم يعد بالإمكان عودته مجددا، لا بأفضل مما كان ولا أسوأ حتى، نعود لاستذكار محاسنه على طريقة «كان أمير وطيب.. ما كانش يومه».
ووسط هذا التشابك والاشتباك بين «احترمناكم فاحترمونا» و«احترمونا نحترمكم»، لم يتبق لنا من الاحترام شيء على غرار رؤساء الفلبين.. المحترمين!