مذكرات ليست للقراءة
قيادة المرأة.. «خيار لا إجبار»
قضية جديدة – قديمة، وملف لا ينتهي بجدل يعود كل فترة، ليتصدر الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، ألا وهو ملف قيادة المرأة السعودية، إذ أطلق مجموعة من النشطاء السعوديين حملة جديدة، لرفع حظر قيادة المرأة للسيارات في المملكة، ودعت النساء لتحدي الحظر بالقيادة يوم 26 أكتوبر، فضلا عن أن أروقة مجلس الشورى شهدت خلال الأسابيع الماضية انتفاضة نسائية تدعو إلى ذلك.
بات جليا أن الجدل يصاحب هذه القضية في كل مره تُطرح.. نذكر على سبيل المثال تلك الضجة العارمة التي حدثت عام 2011، حين استجابت عشرات السعوديات لحملة مماثلة، ونشرن صورا وتسجيلات فيديو لأنفسهن وهن يقدن سيارات على مواقع «تويتر» و«فيسبوك» و«يوتيوب»، واحتجز خلالها البعض منهن لفترة وجيزة، ووجهت اتهامات لاثنتين، منها تهمة تحدي العاهل السعودي.. هذا الجدل الكبير شكل شريحة من المعارضين أوسع، وفي الوقت ذاته من المؤيدين أكثر وأكثر.
ولأن كل ممنوع مرغوب، وفي ظل كل هذه المطالبات، نستطيع القول بأنه بات واضحا إدراك شريحة كبيرة جدا بضرورة السماح للمرأة بالقيادة، ويؤكد ذلك تبني عضوات في مجلس الشورى للحملة، إذ أجريت اتصالا قبل أيام عدة مع عضو مجلس الشورى د.ثريا العريض، والتي تحدثت بلهجة الواثقة، بأن القرار بات أقرب من أي وقت، وهنا اتفقت معها في نقطة، ألا وهي أن القيادة «خيار لا إجبار».
لنختصر الحكاية.. من يقول إن المؤيد للقرار هو طرف يدعو للانحلال والخراب والإساءة للمجتمع السعودي، نوجه له سؤالا: هل كل المجتمعات العربية التي تقود فيها المرأة في نظرك مجتمعات منحلة؟ وهل المجتمع السعودي مجتمع مقدس بكل شرائحه؟ ولماذا تتهم الناشطات في هذا المجال بالدعوة إلى «العهر»، وكأن القيادة دعوة للفسق والفجور؟!
المنطق والحق يقولان إنه من الطبيعي أن 90 بالمئة من فتيات عالمنا العربي المحافظ قبل أن يتقدمن إلى طلب الرخصة يتقدمن إلى رب الأسرة بطلب الموافقة على تعلم القيادة، ومن هنا نعود لنقطة «أن الموافقة لو صدرت لن تنتزع الفتاة من بيت أبيها وتجبرها على القيادة والنزول إلى الشارع..»، بل الخيار يعود لعائلتها أولا وأخيرا ولها.
قد أكون من القلائل اللواتي ناقشن هذا الموضوع، بحكم موقعي في قناة سعودية الانتماء بكل حياد، لكني أستغل مساحتي هنا، لأنقل وجهة نظر فقط، متجردة من مهنتي كفتاة تنظر إلى القضية من بعيد.
المعارضون صوروا لي، ولغيري من العرب المتابعين، أن الشباب السعودي شباب مفترس، إن سمح للمرأة بالقيادة، فسيتحرش بها جنسيا أو يغتصبها أو يصدمها.. وهذا ما أحاول ألا أفكر فيه، لأنني- وبشكل شخصي- أتعامل مع كثير من الزملاء السعوديين، وأيضا مع المعجبين الذين ألتقيهم في شوارع دبي، وأجدهم قمة في الأخلاق والدين والاعتدال، لا كما يحاول البعض سرده حول نفسية الشاب السعودي، وكأنه ذئب مفترس يسيل لعابه أمام أول امرأة يراها!
وآخرون يقولون إن معدلات الحوادث سترتفع، مصورين المرأة وكأنها كائن غبي، ويستبقون الأحداث، وترتفع أصوات أخرى لتقول «مش ناقصنا زحمة.. الشوارع تغلي سيارات!».. وكلها روايات غير منطقية.
في نهاية المطاف، الشرع لم يحرم، والقانون أو المشرع السعودي لم يوجد قانونا يجرم قيادة المرأة أو يمنعها منها.. كل ما في الأمر عادات تختلف من قبيلة لقبيلة، ومن شارع لشارع.. يحتاج المجتمع إلى فترة ليعتاد عليها.. ولأن مفهوم العيب يختلف من شخص لشخص، نجد الجدل قائما.
نعلم جميعا بأن للمجتمع السعودي خصوصية، ومن يقترب منها يُرمى بنيران «أنت وش خصك؟».. كما حدث مع الفنانة أحلام، عندما أعربت عن اعتراضها لقيادة المرأة، وهي وجهة نظر تمثلها، ويجب أن تحترم.. ولأن المرأة في الإمارات وقطر تقود مركبتها بكل حرية وأمان واستقلالية، ولم يقلل ذلك من احترام العالم لها.. وهي وجهة نظرها التي أحترم وأقدر.
بكل حياد، لست مع أو ضد.. فرأيي لا يقدم ولا يؤخر، لكنني كصحافية أملك قضية لا جنسية، وكامرأة تعمل في مؤسسة سعودية ومحسوبة على الإعلام والتجربة السعودية أراقب وأبتسم، لأنني مؤمنة بأنني سأشهد يوما ما قرارا يسمح بقيادة المرأة، يليه أمر ملكي.. وعندها سنشهد تحولا في طرق الخطاب.. كما جرت العادة.
وعلى فكرة، عندما بلغت 18 عاما، كان حلمي أن أحصل على رخصة القيادة، وبذلت كل ما بجهدي لأحصل عليها.. واليوم، وبعد عشر سنوات من حملها، ها أنا أبحث عن سائق، وأتمنى أنني لم أتعلم القيادة من أساسه!

أضف تعليق