أقلامهم

خلود الخميس: إحباط الربيع.. أم دحر الشعوب؟!

خلود الخميس
إرهاصات جمة متشابكة الأطراف والوسائل والأسباب تجتاح العالم باتجاه التحرير. نعم التحرير. فالأرض امتلأت خبثاً حتى فاضت، وهذا الفساد لن يستمر في ملك الله والتطهير آتٍ لا محالة.
منذ جذوة ثورة الياسمين، والدنيا قائمة متحفزة لحدث التغيير العظيم. وبقدْر التغيير تكون المقدمات. والتغيير سنة كونية لن تتوقف عند ملك ولا مشيخة ولا إمارة ولا رئاسة ولا حاضرة أو بادية ولا طوائف أو منتمي أديان قادرين على صدها، لا شيء يمتلك قوة الصمود أمامها، إذا جاءت أشراطها فلا عاصم من أمر مالك الملك، وسيحدث التغيير، ولن يقف أياً كان الثمن. فهل يفقه ذلك من يظنون أن هناك جبلا ما سيؤويهم إذا فار الموج؟!
بقدْر التغيير تكون المقدمات. فلننظر للأحداث التاريخية الكبرى السابقة، على مر القرون، الثورات الشعبية الكبرى على الطغيان حتى يحدث تحول كبير وملحوظ هناك الكثير من التضحيات على المحك، تغيرت جغرافيا وسُطر تاريخ وسُقيت التُرَب بالدماء واختلط لونها الأحمر الزكي بالفاسد، وسيفصل بينهم الله كل على نيته، وهُدمت حضارات وبُنيت أخرى على الجماجم، وكل ذلك يأتي عندما يشيع الفساد ويرتفع منسوب الظلم ويصير بواحاً ويسود الخوف بدلاً من الأمن، والجور بدلاً من العدل، ويعلو صوت الباطل على الحق، فينزل أمر الله. يأتي النصر بغلاف الابتلاء، وتحل العقوبة على أهل الفساد، وينجي الله المؤمنين، والمنجاة لها طرق وليست هي دائماً بالحياة بل بالموت اصطفاء.
ونرى الكثير ممن يضحكون ويسخرون وهم مسلمون للأسف، من قول «وينجي الله المؤمنين» ويتساءل: كيف ينجيهم وهم يموتون كل يوم في هذه المعارك الطاحنة بين الحق والباطل في كل مكان؟! والحقيقة أن هذه سنته لن تتغير، التضحيات تكبر كلما كان الحدث كبيراً، ويقين المؤمن لن يهتز من سخرية وجهل، أما الموت فهو للمؤمن السائر في طريق الحق شهادة، والعذاب تمحيص، والكَبَد هو شأن الحياة الدنيا، فهم أحياء في سبيل الله وأموات في سبيل الله. هكذا يقرأ الموقنون بسنن الله الكونية الأحداث ولا يتوقفون عند النتائج لأنها ليست من شأنهم. فلم يؤمن مع سيدنا نوح إلا قرابة ثمانين فرداً وقد دعاهم تسعمائة وخمسين عاماً للتوحيد، وكذلك ابنه أهلكه الله كافراً، فليس للمؤمن بالله التفكير بالنتائج بل بذل كل الأسباب، وهذا الفرق بينه وبين المشككين القاسية قلوبهم من كثرة شحذ العقل لينافس حكمة خالقه وهذا مستحيل!
ولدينا تساؤل مهم في مسوغات التغيير، أليس حكام الدول التي بدأت فيها إرهاصات التغيير مسلمين؟!
سؤالنا ليس استنكارياً، بل حقيقياً. هل هم مسلمون حقاً، فالحاكم المسلم وإن ظلم وبغى وطغى لا بد أن يكون لديه رادع ولو واحد يرضّخه لأمر الله عند نقطة ما فيرجع. هناك ذرة خشية في قلب المسلم لا تزول وإن تضاءلت لا تضمر أبداً. فما سبب الجرائم والوحشية التي تمارسها أنظمة دول الربيع العربي على الشعوب الراغبة في التحرر من عبودية حاكم جائر؟! إسلام الحاكم شرط رئيسي لحكم المسلمين، وهذا الإسلام ليس شكلياً ويتطلب إثباتاً. فهل الحاكم المصلي مع جماعة المسلمين حصّن كرسيه؟ وهل وصوله للحكم شوري؟ وهل استمراره هكذا؟
تساؤلات يجب أن تكون على طاولة التفكير عند تناول أسباب حرق الشعوب الذي تمارسه الأنظمة لتبقى أطول قدر ممكن وإن كان ذلك على أشلاء!
ليس من المنطق ولا العقل ولا الحسابات الذكية والغبية ولا أي دبلوماسية أو دعاوى جائرة بحفظ الأمن من إرهاب متوقع أو مُفتَرى. أن نشرعن سفك الدماء الذي يتولى نظام أسد في سوريا وانقلابيو مصر كِبره في تجربتي التحرر في البلدين!
لا يوجد أي عذر لهم ولمن يقف وراءهم لتحطيم البنية الحقيقية للأمم وهي البشر ليبقى الحجر والبحر فقط. على أن يتم إعادة بناء الحضارة بعد القضاء على رؤوس فتنة وغيرها من اللغط الذي تبثه وسائل إعلام «الكراسي» المثير للغثيان والشفقة في آن!
فهل التآمر على الربيع العربي تحديداً. أم على شعوب الأمة قاطبة؟
أرى أنها مؤامرة على شعوب الأمة، وكأن الدول الداعمة لنظام الأسد، عبر معارضتها الخجِلة لقتله شعبه، ومساندتها الأشد خجلاً للمعرضة السياسية والمسلحة التي تريد رحيله. وكذلك التي تضخ أموالاً لإنعاش الانقلاب ضد اختيار الشعب المصري، كأنهم يؤدبون شعوب الأمة بدماء السوريين والمصريين!
وكأن الرسالة أن من يفكر بالتحرر من عبودية الحاكم الجائر فمصيره مصير من حاول في سوريا ومصر!
هل هذا التحليل يبدو منطقياً لكم أيضاً؟!
الواقع والمؤشرات تعطيانا الكثير من الأسباب، ولكن أهمها فرض تركيع الشعوب الراغبة بإصلاحات سياسية لتحكم الأرض بنظام عدل وتكافؤ فرص بين الناس وحياة كريمة للإنسان. مطالب مشروعة ولكن مسلوب الكثير منها. وللشعوب الفتات الذي تبين أنه لا يكفي للحياة. فاختارت الموت!
فهل خافت الشعوب من مقتلة مصر وسوريا وستتراجع عن السير في طريق الحدث الأكبر الذي سيأتي بلا شك لشيوع أسبابه؟
الأيام ستجيب. ولكن ما علاقة التجمع الماسوني بالأمر؟!