أقلامهم

ريم الميع: يعترضون على حقوق المرأة السياسية، ويستعيذون بالله منها، كالشيطان، ثم يستجدون أصواتها الشيطانية.

كَلام مر
الفتوى السابقة للمرأة السائقة
فاجأتني صديقة سعودية متحمسة لقيادة السيارة غدا بسؤال: كيف كانت تجربة المرأة الكويتية في قيادة السيارة ؟ المفاجأة، كما تلخصها المقولة القائلة بأن: توضيح الواضحات من المعضلات، فكثير من البديهيات التي نمارسها في حياتنا بصفة يومية أو روتينية لم نتوقف عندها للحظات، لنتساءل متى قمنا بها لأول مرة؟ وكيف؟ وأين؟ ولماذا؟
الرواية التاريخية المعروفة والمتداولة بكثرة، أن المرأة في الكويت قادت السيارة للمرة الأولى في العام 1947، إذ كانت الشيخة بدرية سعود الصباح هي أول من أمسكت بمقود السيارة، ولكن المفاجأة، بالنسبة لي، أن تكون السيدة الفاضلة دولة النوري، ابنة الشيخ الفاضل عبدالله النوري، رحمه الله وأمد في عُمر ابنته، هي أول كويتية تحصل على رخصة قيادة!
كان الشيخ النوري رجلا تقيا ورعا ومحبوبا بين أهل الكويت، كما كان مرجعا دينيا موثوقا في الدولة، إذ يرجع له أهل الكويت في مسائلهم الدينية، وكان شاعرا ومؤلفا وأديبا محترما، وساهم في تطور التعليم في الكويت.. لذا، لم يجتهد في فتاوى تعيد المسلمين لعصور الجاهلية في مطلع القرن الحادي والعشرين، بل على العكس تماما، سعى إلى أن تواكب بلاده في منتصف الأربعينيات تطورا تسعى له جاراتها في الألفية الثالثة!
كانت الكويت، في زمن الشيخ النوري، تتميز بمجتمع محافظ غير متزمت منفتح غير منفلت، حباها الله بجيل من التنويريين الذين ساهموا في نهضتها العلمية والثقافية، ولم يتاجروا بالدين مثل الذين حرّموا الدش والساتلايت، وفجأة، وبقدرة قادر، تحولوا إلى نجوم شباك في جميع القنوات الفضائية، لينافسوا أثرياء «فوربس»، بثرواتهم المزدوجة، من خلال فتاوى يحرمون بها ما يفعلون لاحقا، ليضيفوا إلى ثروتهم ثروات جديدة! أو الذين يحاربون الإنترنت، بل والزواج من الفتاة التي تختلس الـ «واي فاي» من بيت الجيران، لتتسوق عبر الإنترنت، ويكتسحون كل وسائل التواصل الإنترنتي بالإيميلات والصفحات الـ«فيسبوكية»، ومتابعين «تويتريين» يفاخرون بأنهم بالملايين وريتويتاتهم بالألوف!
ويعترضون على حقوق المرأة السياسية، ويستعيذون بالله منها، كالشيطان، ثم يستجدون أصواتها الشيطانية، ليكتسحوا بها صناديقهم الانتخابية، بعد تخصيصهم أماكن للنساء في ندواتهم، وتجنيدهن مفاتيح انتخابية للوصول إلى مقعد البرلمان، الذي طالما رددوا وقالوا إنه بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة بالنار!
ولخص حالهم موحد المملكة، الملك عبدالعزيز، رحمه الله، بعد تجربته مع الإسلام السياسي بمقولة شهيرة: الدين طير حر من صاده قنص فيه، وفي الكويت يقول المثل: من صادها عشى عياله، والعشاء بالعشاء يذكر، حصل ذات مرّة في أحد خطوط الطيران الأميركية لدى تقديم وجبة العشاء أن سأل شاب ينتمي إلى إحدى الجنسيات الخليجية عن نوع اللحم المقدم، وإن كان ذبحا وفق الشريعة الإسلامية، واحتج واستنكر، لدرجة أنه طلب أن يقوم بتحذير المسلمين من تناول هذا اللحم المحرم، باعتبار تحذيره عملا سيؤجر عليه، وعندما تحدث تبين أنه مخمور!
وبعيدا من السكرة، وقريبا من الفكرة نفسها، في زحمة فتاوى قيادة المرأة للسيارة، وبعضها مثل فتوى صاحبنا الطائر الذي حلل لنفسه شرب الخمر وحرّم أكل اللحم غير المذبوح بالطريقة الإسلامية، تظل الفتوى السابقة للشيخ النوري للمرأة السائقة فتوى خالدة، لأنه جسدها، فعلا وليس قولا، ووثقها على رخصة قيادة محارمه.
 نعود إلى تجربة المرأة الكويتية في قيادة السيارة، بعد الشيخة وبنت الشيخ وماما أنيسة التي كانت هي أيضا من أوليات من قدن السيارة في الكويت، وجميعهن نساء محترمات بالمناسبة، ومع ذلك، هناك من لايزال يقول إنها -أي قيادة المرأة للسيارة- عمل يحرّض على الفسق والفجور! 
ثمة تساؤل مشروع هنا: هل كان تحرير الكويت عملا فاسقا؟ وهل كانت شهيدات الكويت منافقات أو مزايدات في دينهن أو وطنيتهن؟ فمتابع واحد لمسلسل ساهر الليل، سيعرف كيف كانت نساء الكويت يخبئن الأسلحة في سياراتهن، ليساعدن الرجال في «تفخيخ» قواعد المحتل، بل كانت أقل امرأة كويتية شجاعة تصحب أطفالها وتقود سيارتها في اتجاه الصحراء، لتنجو بصغارها، في حين يواجه زوجها بطش الاحتلال.
وحاليا، لم تعد قيادة السيارة التي تمارسها الكويتيات ترفا، في الشوارع المزدحمة والطرق الممتلئة بالحفريات والمطبات الاصطناعية التي يقيمها المتنفذون أمام ديوانياتهم للفرجة، بل العكس صحيح، فالترف ترك القيادة لسائق غبي كي ننعم بالتكييف ونحن نثرثر بالهاتف ونتصفح المجلات أو نكتب المقالات من المقعد الخلفي، ثم نتوقف أمام وجهتنا مباشرة، تاركين عناء البحث عن موقف، لنسجل موقفا نضرب فيه بجميع حقوق الإنسان عرض الحائط، بترك ذلك الغبي يسيح تحت أشعة الشمس الحارقة، كذلك، فإن قيادة السيارة مثل ارتداء حزام أمان السيارة نفسها، قد تحتاجه لمرة واحدة في حياتك، للحفاظ على حياتك، لكنك لا تعرف متى ستكون هذه المرّة!
أخيرا، أخبرتني صديقتي السعودية إياها أنها ستقود سيارتها غدا، وبأن المرور سيخالف فقط غير الحاصلات على رخص، ومعظم اللاتي سيقدن لديهن رخص دولية معتمدة، وتعتقد بأن ذلك بحد ذاته موافقة ضمنية للسلطة.
 صديقتي تطلب مني أيضا أن أتمنى لها ولصديقاتها أن يكتب لهن التوفيق لما هو خير لهن.. أما أنا، فأتمنى ألا يطلب أحد مطلقي الفتاوى من زوجته أو ابنته أو شقيقته لاحقا قيادة سيارتها بنفسها، للوصول إلى وجهتها المقصودة، لانشغاله بفتوى جديدة!