في القرن التاسع عشر الميلادي أطلق اللورد البريطاني هنري بالمرستون مقولته الشهيرة :
“لا أصدقاء دائمون في السياسة، وإنما هناك فقط مصالح دائمة” ، وقد أضحت هذه المقولة مبدأ سائد في الدبلوماسية والسياسة الخارجية للدول.
وإن أردنا تقويم هذا المبدأ والتعليق عليه، فجدير بنا القول بأن حرص كل دولة أو أمة على رعاية وصون “مصالحها” هو أمر مقبول وطبيعي، وهو من حقها وواجب عليها، وما هو غير مقبول وغير طبيعي أن تكون رعاية “مصالح” تلك الدولة على حساب سلامة أرواح الآخرين أو سرقة ممتلكاتهم أو انتهاك كراماتهم وحرياتهم.
في الفكر السياسي الاسلامي، فإنّ رعاية وصون “المصالح” تقوم على أساس المبادئ الإنسانية والاسلامية، وإذا تعارضت المصالح مع المبادئ وجب تقديم المبادئ.
بينما لدى المجتمع الدولي الغربي، المبادئ الانسانية والشعارات الديمقراطية تقوم على أساس “المصالح” والقدرة على “السيطرة والنفوذ”.
ولنأخذ أمثلة على ذكرت آنفاً في موقف أمريكا الثابت تجاه الحكومات الديمقراطية المنتخبة التي لا تخدم مصالحها ولا تخضع لتهديداتها وترضخ لإغراءاتها :
– في عام 1954، ساهمت أمريكا بالإطاحة برئيس حكومة غواتيمالا المنتخب يعقوب أربنز بسبب انتزاعه لـ80? من مزارع تيكويستا آند بانانيرا، وهذه المزارع كانت تملكها شركة الفواكه المتحدة الأمريكية (مسئولين كبار في الحكومة الأمريكية كانوا مُلاّك للشركة). واعتبر الأمريكان انتزاع حكومة أربنز لـ 80? من تلك المزارع هو تهديد خطير للمستثمرين الأمريكيين ومن ثم للأمن الأمريكي..وهذا ماحداهم للإطاحة بحكومة منتخبة! وقد أعقب حكومة أربنز، مجيء ديكتاتورية عسكرية مدعومة من الـ(CIA) لمدة 40 سنة تم خلالها تسجيل سجل سيء لحقوق الانسان في ظل العسكر.
– بعام 1964 ساهمت أمريكا بانقلاب عسكري أطاح بحكومة البرازيل المنتخبة ديمقراطياً؛ لأنها حكومة يسارية (اشتراكية) ولا تخدم مصالح الرأسمالية الأمريكية!
– في يوليو عام 2013 دعمت أمريكا الإنقلاب العسكري الدموي الذي أطاح بأول رئيس مدني منتخب في جمهورية مصر العربية وذلك لعدم استجابة الرئيس مرسي -فك الله أسره- للضغوطات الأمريكية المختلفة لرعاية مصالحها في المنطقة والتي بالضرورة ليست في صالح الشعب المصري، وبالتالي أفلست منه فاستغلت النخب العلمانية الخائبة والقيادات العسكرية الفاسدة للإنقلاب عليه، وكلنا رأى ما حصل بعده من مجازر وحشية وقمع واعتقالات!.
تقول الكاتبة نورينا هيرتس:
“عندما تتحدث أمريكا عن نشر [الديمقراطية] فإنّ ما تعنيه حقاً هو نشر ما يروق لها من الديمقراطية الليبرالية، وبشكل أدق العناصر الاقتصادية فقط، فـ أمريكا تشجع المواقف الليبرالية من حقوق الانسان فقط إلى الحد الذي تتماشى فيه مع تنمية اقتصاد السوق..ومن الناحية العملية، فإن أمريكا تفضل في معظم الأحيان الأنظمة “التسلطية” ، وعناصر الديمقراطية الليبرالية من المشاركة الجماهيرية، والمجتمع المدني النشط، والانتخابات قد أثبتت أمريكا أنها أكثر قابلية للإستغناء عنها”!.
إذن كما رأينا فإنّ المبادئ الانسانية والديمقراطية التي يُنادى بها هي تحت رحمة “المصالح” و “النفوذ” فإذا تعارضت المبادئ والمصالح قُدّمت المصالح ولا يُسأل بعد ذلك عن دم الإنسان وحرياته وكرامته!.
في مقابل ذلك رأينا كيف كانت “مصالح” حكومة تركيا المنتخبة برئاسة رجب طيب أردوغان مقيدة بـ “المبادئ الانسانية” و”الأخلاق” و”الضمير” ، ولا أدل على ذلك من كيفية تعامل تركيا مع الثورة السورية وحصار قطاع غزة والتطهير العرقي ضد المسلمين في ميانمار، ولو كانت تركيا تريد لنفسها السلامة من المخاطر ولمصالحها المختلفة أن تستمر لما تعاملت بإنسانية وبضمير كما في الأمثلة السابقة.
والمؤسف بأنّ هناك دول عربية كثيرة تسير خلف مصالح الراعي (أمريكا) ولاتدري بأنه على المدى المتوسط والطويل ستتعاكس مصالحها مع الراعي الذي سيبيعها بأبخس الأثمان لا قدر الله!
** كلمة أخيرة :
إننا يا سادة نعيش في عصر الغاب حيث يفترس القويُّ ،الذي ليس معه الحق، الضعيفَ الذي معه الحق، مما يحتم على الدول العربية والاسلامية وأصحاب الرسالة السعي لامتلاك إرادتها المنبثقة من الشعوب وامتلاك وسائل القوة المختلفة كي تكون في خدمة الحق، ترشّده وتنمّيه وتدافع عنه إن لزم الأمر.. فليس ينفعُ البشرية حقٌّ بلا قوة.


أضف تعليق