بورتريه

فؤاد سالم.. “رهين الغربتين”

كتب: عياد الحربي 
للمتنبي : “إِذا كـانَ مـا تَنويهِ فِعلاً مُضارِعاً / مَـضى قَـبلَ أَن تُلقى عَلَيهِ الجَوازِمُ”.. العراق الذي كلما جاع اقتات على مبدعيه يودع أسير الغربتين فؤاد سالم.. وكأن صوت فؤاد يقول للعراق: ماضي فعلك ياحبيبي لو مضارع لو أمر، ويقول لغربته: مشكورة تردين الصدكك ماكصريتي..  

بهذه الكلمات العذبة ودع العراق “فنان الشعب” فؤاد سالم الذي أشهرت أغنياته الثلاث عبر محطته الأولى بعد أن نُفي من عمله ومن مركز اهتمامه الفنون ومن أهم شيء من وطنه، وهي الأغاني (غريب على الخليج) التي تقول كلماتها :
جلس الغريب، يسرّح البصر المحيّر في الخليج
و يهدّ أعمدة الضياء بما يصعّد من نشيج
صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى : عراق
كالمدّ يصعد ، كالسحابة ، كالدموع إلى العيون
الموج يصرخ بي عراق
والريح تعول بي عراق
ليس سوى عراق
من المفارقة أن تكون هذه الاغنية من كلمات الشاعر العراقي بدر شاكر السياب والذي كتبها في الكويت بعد أن نُفي من العراق في الخمسينيات ليأتي الفنان فؤاد سالم بنفس الظروف التي مر بها السياب ويغنيها في الثمانينيات.
أما الأغنية الثانية التي حقق له أعلى مستويات الشهرة وهي أغنية (مشكورة) والتي تقول كلماتها:
هاي تاليها صفيت هيجي و بسرعة مشيتي
رحتي و حتى بالكذب بالكذب ما تعذريتي
شرد اقول لج غير وانا مسافر لديرة غرب
مشكورة … تردين الصدق ما قصريتي
وقصة هذه الأغنية هي خيانة حبيبته العراقية أمل التي واعدته أن تهاجر معه الى الكويت حتى يتزوجا، ولكن هذا مالم يحدث وتزوجت غيره.
والأغنية الثالثة هي (طال عمرج) ذات كلمات:
بحالي تدري يالحبيب
شعندي واتقدم خطيب
بيا عذر اتقدم لأهلج طال عمرج
ومنهم أشلون أرجى قربج طال عمرج
والتي قيل أنه عشقته سيدة من عالية القوم في الكويت ورفض الزواج منها معللا الفروقات الاجتماعية والمالية بينهم.
وداعاً ايها العندليب العذب المغرد بأغاني الحب والسلام..
اتصلت على الكاتب أ.أحمد الديين وقال: “فؤاد سالم رحمه الله كان فنانا كبيرا في مجاله الفني وكان تقدمي الفكر عراقي الوطن الذي عشقه وتغنى له بصوته العذب، وهو من الفنانين الملتزمين في قضايا شعبهم لا من الذين يتخلون عنهم من أجل النظام ومغرياته.
صلته بالكويت 
وأضاف: “كانت صلته وثيقة بالكويت، ففيها عاش أجمل أيام حياته وغنى أجمل أغنياته وكان له احتكاك بالعناصر الكويتية الوطنية ولديه أغاني بجلسات خاصة عن حزب اتحاد الشعب في الكويت منهن (ياحزبنا) ، (حروفه محفورة بذهب).. نحن سنفتقده كثيراً، فؤاد مدرسة فنية كبيرة وللأسف الفرصة التي اتيحت له محدودة جداً بسبب سياسات النظام البعثي وقمه لكل معارضيه ومن لا يقف معه، وكانت سنواته الاخيرة صعبة للغاية وكان يود الذهاب للبنان بسبب سوء الاحوال الامنية في سوريا لكن كتب له الموت فيها”.
من جهته قال أ.عودة الضاحي – الصديق المقرب للفنان فؤاد: “كانت علاقتي بالمرحوم من سنة 1968، وبدأت رحلة الهجرة والنفي لفؤاد حين بدأ أولى محطاته ست اشهر في الكويت ثم ذهب لليمن ورجع سنة 1978 للكويت وغادرها في سنة 1986 بضغط من السفارة العراقية، وكانت حكومة الكويت حريصة على حياته وغادر الامارات وانتقل وأسس اذاعة المعارضة في جدة مع الشاعر زهير الدجيلي وكانت له اغاني ضد صدام في جدة، وغادرها لسوريا ثم غادر لوحده إلى امريكا ليحصل على الجواز ثم عاد لسوريا ، كذلك جلس في البحرين وقت”.
رفض دعوة ابن الرئيس 
وتابع: “نجوميته ازدهرت في الكويت وأكبر الداعمين له كان الاستاذ يوسف الرفاعي صاحب شركة النظائر، وذات مرة اتصل قصي صدام حسين وطلب حضوره للعراق ويرسل له طائرة خاصة ليأتي بغداد ويحيي حفلاً غنائياً فرفض رحمه الله، قائلاً: إنك ابن رئيس ولست وزير الثقافة المعني بالفن، ثم جاءنا القنصل العراقي في الكويت ناظم الجبوري يوبخ ويعد بالويل لفؤاد لأنه رفض طلب ابن الرئيس”.
وأضاف الضاحي: “فؤاد سالم رحمه الله كان يأخذ اعلى اجر على حفلاته الغنائية وفي المقابل كان يساعد الطلبة العراقيين الدارسين خارج العراق، وذات مرة كتبنا اغنية على حسني مبارك وكلمنا القنصل الليبي يطلب حضورنا للقذافي لاعجابه بفؤاد ولكن اتاه الرد قاسياً حين قال له رحمه الله : انا شارد من ديكتاتور تريدني اجي لديكتاتور ثاني؟!”. 
أريده حياً 
وعن رحيله عن الكويت، قال الضاحي: “وقتها سأل النائب السابق د.أحمد الخطيب سمو الأمير الحالي الشيخ صباح الأحمد الذي وقتها كان وزيراً للخارجية عن سبب ابعاد الفنان فؤاد سالم، وهل كان السبب أن فؤاد حضر احتفالات فوز النائب السابق د.أحمد الربعي في سنة 1986 فرد عليه الشيخ صباح قائلاً : أنا أحب فؤاد واحب اسمع صوته ولذلك اريده حيا لا يتعرض للقتل، في إشارة لملاحقة نظام صدام حسين للفنان فؤاد سالم رحمه الله،، كانت وصيته رحمه الله هي تشييعه في البصرة ونشر اغنيته (راح العمر وانقضى عيشه على جاري الماي) وبثها في الفضائيات وانا تحدثت معهم ووعدوني خيراً”.
حورب ونفي.. مرض فمات 
بدوره قال عضو المنبر الديمقراطي الكويتي أ.عبدالمحسن مظفر: “حورب فؤاد سالم من نظام صدام ونفي من عمله ومن ثم وطنه وعانى معاناة المرض في سوريا حين مرض وتوفى، وهو خسارة للخط العربي الوطني المخلص المدافع عن الحريات والمبادئ وحقوق الشعب، فهو ببساطة عربي عراقي وطني اصيل مخلص لفكره اليساري التقدمي وكانت هذه اسباب مشاكله في وطنه”.
وأضاف: “آخر مرة شاهدت المرحوم كانت في بيت عبدالرحمن الحمود قبل قرابة ثلاث سنوات وكان مريضاً ولم يتحدث كثيراً ، كذلك كان خائفاً من الملاحقة السياسية التي لم يعد يقوى عليها وهو كبير السن مريض”.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق