ثقافوبيا
وليد الرجيب / أصبوحة
في يوليو 2012 تبنى البرلمان التركي قانوناً ينص على أن كل القرارات القضائية والإدارية التي اتخذت قبل 2012، وتنص على مصادرة أو منع أو عرقلة بيع أو توزيع منشورات مطبوعة تسقط بالتقادم إذا لم تؤكدها محكمة خلال ستة أشهر، وفي ديسمبر من العام ذاته أعلن مدعي عام الجمهورية كورسال كايرال أنه لن يجدد منع أي كتاب في أنقرة، وهكذا ستعود آلاف الكتب التي منعت في العقود الأخيرة في تركيا إلى الأسواق.
وقد تم منع آلاف الكتب في تركيا والتي تعتبرها من المحظورات الخطرة ومنها «البيان الشيوعي» لماركس وأنجلز وكتب ستالين مثل «تاريخ الحزب الشيوعي البلشفي» وكتاب لينين «الدولة والثورة»، وكذلك كتب ودواوين الشاعر التركي العظيم ناظم حكمت، وفي خارج العاصمة التركية سيشمل القانون الجديد 23 ألف كتاب، ولكن يصعب تحديد عدد الكتب والمنشورات الأخرى بدقة، علماً بأن رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان هدد ذات مرة: «يجب تلقين الذين تلاعبوا بقيم الشعب درساً»، وهاجم من ضمن من هاجم مخرجي مسلسل «حريم السلطان» معتبراً أن السيناريو مخالف للتاريخ وللأعراف الجيدة للمسلمين.
ويبدو أن الكلمة والثقافة وتجلياتها الإبداعية هي وسيلة نضال وأداة مقاومة أساسية وناجعة، فالثقافة تسبب هلعاً وأرقاً للنظم الاستبدادية، والتي قد تكون أخطر عليها من العمل السياسي التقليدي المباشر أو حمل السلاح، وكما قال المفكر المصري الراحل محمود أمين العالم: «هناك علاقات تناقضية جدلية منتجة بين سلطة الثقافة وثقافة السلطة»، فبالنسبة للسلطات والقوى الظلامية فإن الكلمة أقوى من الرصاصة، وهي تثير الرعب والهلع في نفوسهم.
ويُعتبر غوبلز وزير الدعاية في ألمانيا النازية من أشرس مساعدي هتلر، ولكنه يستشعر الخطر والخوف من كلمة ثقافة، حيث عبر عن ذلك بقوله: «كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي»، ويزخر التاريخ بشواهد ملموسة على ذلك:
فمثلاً لماذا اختارت قوى الظلام اغتيال مفكرين مثل حسين مروة ومهدي عامل وفرج فودة، وحاولت اغتيال الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ بطعنة في رقبته، واغتيال الأديب غسان كنفاني؟ فهذه القوى المتخلفة المنسجمة الاتجاه مع النيوليبرالية والصهيونية والضالعة في مشروعاتها، لم تختر عدواً صهيونياً أو رجال سلاح بل ركزت جل حقدها على الثقافة والفكر والكلمة.
ولماذا يتعرض آلاف من المبدعين والمفكرين والمثقفين للسجن والتعذيب والإعدام؟ ألا يشكل ذلك دليلاً لا لبس فيه على أن المثقف ونتاجه خطر قد يكون أكثر من خطر الإرهابي على المستعمر والمستبد والظلامي؟
لماذا يعيش الشعراء والمفكرون ويموتون في المنافي؟ مثل الجواهري والبياتي ونازك الملائكة وناظم حكمت، الذي كانت السلطات التركية تخشى حتى من رفاته وليس أعماله وفكره فقط، حيث منعت السلطات كتبه ودخول رفاته ليدفن في تركيا رغم أنه توفي قبل أكثر من خمسين عاماً بالتحديد عام 1963، بحجة تبنيه لأفكار شيوعية محظورة.
إذن خطر الثقافة لا يكمن في الأحياء من المثقفين والمبدعين فقط بل في الأموات منهم أيضاً، ألم تقم النازية بتفجير قبور الأدباء الروس العظام مثل تولستوي ودستيفسكي وبوشكين؟ رغم أن هؤلاء ماتوا من أزمان بعيدة قبل الثورة البلشفية بكثير، ولكنهم بالنسبة للنازي المحتل يشكلون رمزاً للجمال والفكر والثقافة التي تكرهها الرأسمالية والفاشية، والتي تعريها بصفتها خارج سياق الإنسانية.
وتركيا التي تدّعي المدنية والديموقراطية في المنطقة، وتطالب بالدخول إلى الاتحاد الأوربي، تحارب وتخشى من الفكر الماركسي وتمنع الكتب التي تتحدث عنه، وتمنع كتب ودواوين الشاعر التركي الذي رفع اسم تركيا عالياً، وكل ذلك يحدث في القرن الحادي والعشرين التي تنتشر فيها هذه الكتب والأفكار في الانترنت. وعبر التاريخ أُحرقت ملايين من الكتب ونتاجات البشر الفكرية والفلسفية والمعرفية والأدبية، فهل يمكن أن يُسجن ويُقتل الفكر؟ إن منع تداول الكتب يغدو أضحوكة العصر كمن يحاول أن يمنع الماء من التسرب بين أصابع الكف.

أضف تعليق