أقلامهم

مقال ساخن
راكان بن حثلين ردًا على انتقاد المتظاهرين البدون: يا حكومة.. ربُّوا عيالكم

رأي
يا حكومة.. ربُّوا عيالكم

راكان بن حثلين

كعادتها، اختزلت الحكومة بعبقريتها الفذة الاحداث التي شهدتها منطقتا تيماء والصليبية إثر المظاهرات التي نظمها البدون هناك، والتعامل الأمني الذي قوبلت به هذه المظاهرات، بأن سببها «مجموعة مراهقين».

ولم تكتف الحكومة بذلك فحسب، بل قامت بدورها كجهاز تنفيذي مسؤول يتولى دراسة الظواهر السلبية ووضع الحلول والمعالجات لها، فقدمت الحل الذي عجزت عن التوصل إليه كل الجهات المعنية، سواء كانت رسمية او مدنية، بما فيها المؤسسات والجمعيات المعنية بحقوق الإنسان، وجاء الفرج ينطق به أحد المسؤولين الكبار في الدولة بأن وصف لأولياء أمور المتظاهرين وصفة العلاج من داء الهستيريا التي أصابت ابناءهم، واختصر هذه الوصفة بكلمتين..كلمتين فقط «ربُّوا عيالكم».

شكرا لعبقرية الحكومة التي عللت أسباب خروج البدون الى الشوارع، في مشهد استغربه كل عاقل بنظر الحكومة، واستهجنه كل منعَم لم تغلق في وجهه أبواب المسؤولين، ولم يمنع عنه حقه في التعبير، ولم تداهم بيته القوات الخاصة او الغازات المسيلة للدموع، وشكرا للمسؤول الذي جاء ليترجم وعدا سابقا قطعه عندما كان يشغل نفس المنصب في حكومة سابقة، بأنّ حل قضية البدون سيكون خلال عامين، ولكن وفق التقويم الحكومي.

المسؤول أيضا بادر بتضميد جراحات هذه الفئة وطمأنتهم، بأن أكد أن كل هذه الاعمال «الصبيانية» لن تؤثر على سير عملية التجنيس، التي تعاني من الركود أصلا، فكانت الرسالة واضحة وجلية « اقبضوا من دبش».

وبنظرة ثاقبة، ولسان صريح ونية «صادقة»، لم تعتمد على نظرية «فرق تسد»، شخصت الحكومة اسباب الخلل، وعرت المتآمرين والمتصيدين في الماء العكر، وقالت على لسان المسؤول ايضا: ان من خرجوا في المظاهرات يريدون ان ينغصوا العيش المترف على المستحقين للجنسية، ويفسدوا الأحلام الوردية التي يعيشها « 128 ألفا.. عفوا.. بل ملفا «، كانت عصارة جهد جهيد بذله الجهاز المركزي لمعالجة اوضاع «المقيمين بصورة غير قانونية» على مدى ما يقارب الـ 4 سنوات، برئاسة النائب السابق، صاحب المواقف المعروفة تجاه هذه القضية، والذي اصبح الآمر الناهي في هذا الملف، فمن يزكيه يكون من المبشرين بالجنة، ومن يستبعده يصبح من المغضوب عليهم، ويطرد من رحمة بلد الرحمة.

نعم.. صدقت الحكومة، ومن لا يصدق الحكومة لا عقل له، فهم فعلا مجموعة مراهقين، فضلوا اللهو بين بيوت الصفيح، وفي الازقة الضيقة التي احتسبت فيها احلامهم على مدى سنوات طويلة، على الاحتفال مع نظرائهم في السن والانتماء والولاء واللغة والعادات والتقاليد، بالأعياد الوطنية في شارع الخليج أو غيره من الشوارع الفارهة، واستهواهم اللهو مع القوات الخاصة، والتراشق المتبادل بالحجر والغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي، على اللهو برش الماء والفوم في المسيرات الاحتفالية.

انهم فعلا ارهابيون، وعليهم من الله ما يستحقون، فكيف يسمحون لأنفسهم ان يزايدوا على حرص الحكومة على معالجة قضيتهم ؟! بل كيف يقبل عاقل بأن يرفع هؤلاء المراهقين صوتهم بانتقاد الحكومة ؟! حكومة جنبتهم عناء العمل والدراسة، ورفعت عن كاهلهم أعباء الحياة الزوجية، واحتفظت للكثيرين منهم بظروف تساعدهم على الاحتفاظ بعرش العزوبية.

إنه فعلا فسق وبطر، وحسد وجشع يدفع بالبعض الى رفس النعمة التي يعيشها، ومزاحمة الآخرين على الحياة الكريمة، والتمتع بنفس الحقوق الواجبات.

الرسالة يجب ان تصل وبشكل واضح وحاسم، وعاجل لا يقبل التأجيل، الى أولياء أمور البدون: «ربوا عيالكم»، ولا تسمحوا لهم أبدا أن يفلتوا طق النجاة الذي رسمته لهم الحكومة، ولا أن يحلموا ولو حتى في المنام، وألزموهم بالصمت الذي التزمتموه انتم على مدى اكثر من 50 عاما حتى وصلتم الى العيش الرغيد الذي انتم فيه الآن، وطوعوهم من الآن حتى يأتينا جيلان خامس وسادس من البدون يكونون عبيدا وخدما للأجيال القادمة، ومن يدري؟ ربما يصبحون سلعة نصدرها الى الدول الأخرى، او أداة نسلطها على الشعب عند الضرورة، أداة ناقمة على المجتمع، مهيئة للاستغلال سواء بيد الحكومة او بيد غيرها.

والرسالة الثانية نوجهها للحكومة، وهي رسالة اعجاب وانبهار، وشكر وثناء، على التطور الذي حققته في هذا الملف، فهي نجحت في زمن قياسي بدراسة القضية، وتشخيص أبعادها ومسبباتها، ورسمت خارطة الحل، ونجحت بفصاحة مسؤوليها، ودقة عباراتهم في كبح جماح الطيش والدلع الذي مارسه البدون في مناطق مثل تيماء والصليبية، تشكل واجهة مشرقة للبلد، ومصدر استقطاب للرأي العام المحلي والعالمي، لرصد النهضة التي شهدتها الكويت في مجالات مثل حقوق الإنسان والتنمية البشرية،وها هي تيماء عادت الى الهدوء، فلا مظاهرات، ولا مسيرات، ولا قوات خاصة ترزح بين الأهالي في تلك المناطق، ولا مركبات سوداء مظللة لأمن الدولة تجوب الشوارع هناك، ولا مداهمات تتعرض لها البيوت، ولا معتقلين بتهم معلبة، ولا ابن ابيه يمكن ان ينطق بكلمة واحدة ضد الحكومة.

هكذا يجب أن تكون التربية، فهي مسؤولية محصورة في أولوياء الأمور فقط، وليس للحكومة أي دور في رعاية الأبناء أو تربيتهم ومعالجة مشاكلهم كما هو حاصل في الغرب المتخلف، وفي دول مثل أميركا وبريطانيا وفرنسا التي لاتزال ترضع البترول من تحت ارجلنا، وكذا يجب ان تكون رسائلنا ودروسنا التي نلقنها للأجيال سواء على صعيد التعامل مع قضية البدون، أو في المجالات الاخرى، «بوق ولا تخاف» و«اكذب اكذب حتى تصدق» و«من شراك.. بيعه».

فمن هم البدون حتى يستحقوا الجنسية الكويتية؟! يكفي أنهم «شرذمة» أبت الا ان تكون وفية لهذا البلد وان تذود عنه بدمائها وأرواحها، وهذا الفكر بحد ذاته أصبح في زماننا هذا تخلفا يضر بنسيجنا الاجتماعي الذي صقلناه بموروثات جينية اسيوية واوروبية وأميركية، تحتفظ لنفسها بالملكية الفكرية في تربية أبنائنا، بعيدا عن الرجعية العربية والاسلامية.

نعم.. يا حكومة «ربوا عيالكم».. ولقنوا كل وزير نفس الاسطوانة التي تتكرر في كل مرة.. وعلموهم بيع الناس الوهم، وكيفية الانسلاخ من مسؤوليتهم، وجعل الآخرين شماعة للإخفاقات الحكومية، وجردوهم من كل انسانية وكل منطق حتى لا يأتي يوم نلتزم فيه بالمعاهدات والمواثيق الإنسانية والدولية او حتى الشرائع السماوية، ودربوهم على مواجهة الحجة والمنطق بالغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي، والارهاب عبر التصريحات المنسوبة للمصادر الحكومية في بعض وسائل الإعلام، حتى لا تظهر الشمس على اي حقيقة، وسلطوا عليهم كل بذيء لشتمهم واحتقارهم والطعن في انتمائهم وولائهم دون أي تفعيل أو اعتبار لقانون حماية الوحدة الوطنية، حتى تزول منهم الوطنية.

أما المنتقدون والساخطون، فهم جزء من المؤامرة الكونية على الحكومة، ومجموعة من المرتزقة، أو المنتمين الى بعض التيارات السياسية مثل «الإخوان» الذين يمدهم البدون بالأموال – وفقا لما ذكره الإعلامي المصري توفيق عكاشة -، ولهؤلاء نقول: لا تشبهونا باليهود إذا هددنا أسر البدون بقطع ارزاقهم، والطرد من منازلهم عقابا لما جنت أيدي ابنائهم «المراهقين»، ولا تصفونا بالعنصرية إذا قلنا أن الجنسية الكويتية لا ينالها الا شعب الله المختار، ولا تتهمونا باتباع نهج النازية لارتكابنا «هولوكوست» جديدة بحق البدون، ولكن بنكهة عربية، تستمر فيها الحياة لكي تدوم المعاناة.

عضو جمعية الصحافيين الكويتية