أقلامهم

خليل حيدر يستعرض تاريخ الأردن، ويقارنه بالكويت.

ثقافة الأردن.. وثقافة الكويت
بقلم.. خليل علي حيدر
امتزجت بالتركيبة القبيلة كتلة فلسطينية حضرية متعلمة من مختلف الشرائح والطبقات
من أكثر الدول العربية قدرة علي مجابهة التحديات على مر السنين.. الأردن! فقد ظهرت عام 1921 واستقلت عام 1948، حيث كانت منذ تلك السنة حتى اليوم، في مواجهة الظروف القاسية والأعاصير.. ربما كل سنوات عمرها.
وقد نشأت امارة شرقي الأردن في بيئة محاصرة فقيرة، وتعرضت لمشاكل وتدخلات واضطرابات سياسية لا حصر لها. ولم تفكر احزابها السياسية القومية والاسلامية والماركسية بحل مشاكل الدولة بقدر ما حاولت المحافظة على ايديولوجياتها الحزبية. وهكذا اصطدم «الإخوان» و«الناصريون» والقوميون والبعثيون والشيوعيون بالنظام. وفيما تأسست «المملكة الأردنية الهاشمية» بعد النكبة الفلسطينية عام 1948، وضم الضفة الغربية من فلسطين الى المملكة، وجهت نكسة 1967 ضربة أليمة لها حيث دخلت كذلك في صراع مع المقاومة الفلسطينية وحلول القضية والعزلة العربية .. الخ.
وعلى الرغم من تفنن الدولة الأردنية في وسائل كسب رضا وسكوت «الإخوان» و«التحرير» وغيرهما، فان الاردن كانت ولا تزال منبت أشرس الاسلاميين والتكفيريين.. ومن ينسى «أبو مصعب الزرقاوي» مثلاً؟!
اهتم الاسرائيليون منذ سنين بعيدة بتحليل الأوضاع الأردنية.
المؤلف الاسرائيلي «أشر سوسر» كتب قبل اعوام تحليلاً في كتاب عرضه الكاتب الأردني «د.فهد الفانك» في مقال له بـ «الرأي» الأردنية 2000/7/21، يتحدث عن العوامل التي جعلت الأردن يصمد ويستمر على الرغم من الظروف السياسية والجغرافية والديموغرافية غير المواتية والتقلبات العربية والدولية المحملة بالأخطار.
هناك عوامل موضوعية، يقول التحليل، وفرت للأردن طول البقاء والاستقرار ولعب دورٍ فاعل.
«أول هذه العوامل بروز نخبة سياسية متفاهمة، ممن يمكن ان يطلق عليهم وصف رجال الملك، وتطور قاعدة شعبية عريضة للنظام لها مصلحة في الحفاظ على الوضع القائم.
وثانيها الولاء المطلق للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، نتيجة التكامل بين النخب العسكرية والمدنية.
وثالثها الضعف النسبي لاعداء النظام في الداخل، وغياب الارادة لديهم في الخارج.
ورابعها التجانس النسبي بين السكان، حيث الأغلبية الساحقة عرب مسلمون سنيون، اما الاستقطاب الاردني الفلسطيني فيبقى سطحياً لغياب التميز الديني او العرقي او المذهبي بين المجموعتين.
وخامسها مركزية الموقع الجغرافي السياسي الاردني كدولة محورية مهمة للاستقرار الاقليمي، مما دفع القوى الخارجية من داخل الاقليم وخارجه الى دعم الاردن ومساعدته. (رؤوس اقلام، د. فهد الفانك، عمان، 2005، ص18).
المجتمع الأردني في جانب من جوانب تجربته مع البادية والقبيلة، هو النموذج المعاكس او المختلف.. او الوجه الآخر من التجربة الكويتية! ففي الأردن كانت القبائل والعشائر والبادية صاحبة الثقافة الطاغية المؤسسة، والعمود الفقري المكون لأجهزة الدولة، منذ أن تأسست الدولة، وبعد ان جرى ما جرى للثورة العربية الكبرى بقيادة «الشريف حسين»، وبعد اتفاقية «سايكس بيكو» وبعد وعد بلفور وغير ذلك.
ثم امتزجت بهذه التركيبة القبلية، كتلة فلسطينية حضرية مهنية متعلمة من مختلف الشرائح والطبقات، ومن المثقفين والتجار والحرفيين وغيرهم، مسلمين ومسيحيين. وذلك من خلال ضم «الضفة الغربية» من نهر الاردن، الى المملكة الأردنية الهاشمية، واستيعاب الفلسطينيين او اعداد كبيرة منهم بعد عام 1948. وهكذا امتزجت لفترة، ولا تزال للكثيرين، الهويتان الأردنية والفلسطينية مع مرور الوقت. يقود د. شاكر النابلسي في دراسةٍ له حول الثقافة الأردنية المعاصرة: من هم منتجو الثقافة الأردنية المعاصرة؟
ويجيب: «ان علاقة الأردن بالقضية الفلسطينية علاقة مميزة، ادت الى هجرة الكثير من المثقفين والمبدعين الفلسطينيين عامي 1948 و1967 الى الضفة الشرقية من النهر المقدس، نهر الاردن، واصبحوا من الناحية السياسية اردنيين، ولكنهم في واقع الأمر كانوا – وما زالوا – ينتجون ابداعاً يحمل هموماً فلسطينية بحتة. فمن هو المثقف الفلسطيني في الأردن، ومن هو المثقف الأردني في الأردن؟».
ويرى د.النابلسي أن مثل هذا التمييز بين الاثنين بات صعباً، و«يكاد يكون نوعاً من محاولة نَسْل خيوط الحرير او الصوف من السجادة، التي لن تكون سجادة بعد ذلك وانما عبارة عن كوم من الخيوط. لذا فان افضل تسمية للثقافة الأدبية الحالية، هي «ثقافة شعب ضفتي النهر المقدس. بل ان هذه الثقافة لم تنتج فقط من قبل اردنيين وفلسطينيين في اصولهم الأولى، ولكنها كانت نتاجاً شامياً ايضاً، قام به من هو من أصل فلسطيني، ومن هو من اصل سوري ومن هو من اصل اردني، فالأردن بحكم موقعه الجغرافي، كان ممراً لعرب الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب، اضافة الى ذلك فان المبدعين الذين هم من اصل اردني خالص قلة قليلة، ولا يشكلون إلا نسبة قليلة في مجال الابداع الشعري والروائي والنقدي». ماذا عن الأكراد والشركس؟ يختتمك د. النابلسي تحليله لمكونات هذه الثقافة في كتابه «النهر شرقاً: دراسة في الثقافة الاردنية المعاصرة، بيروت 1993»، فيقول:
«إن الثقافة العربية الحديثة على ضفة النهر الشرقية بدأت بعد عام 1984، عندما بدأ هذا التمازج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بين عرب الأردن والعرب المهاجرين إليه من فلسطين، من مثقفين وسياسيين واقتصاديين وصناع وتجار وعمال وحرفيين وغيرهم. ومع التركيبة الاجتماعية الجديدة التي تشكلت بعد عام 1948، بدأت تظهر ثقافة جديدة، كانت نتيجة لهذا المزج الاجتماعي الذي دفع بالدماء الجديدة الى شرايين الكيان السياسي والاجتماعي والثقافي. ولولا هذا الامتزاج لكان وضع الاردن الثقافي امتداداً لوضع الجزيرة العربية الثقافي. بل ربما اقل من ذلك التركيب الاجتماعي الأردني قبل عام 1948، كان اقرب الى التركيب الاجتماعي العربي في الجزيرة العربية قبل عام 1975، منه الى اي تركيب اجتماعي عربي آخر. وهناك ملامح تدل على ذلك، منها اللهجات الشعبية، وطريقة اللباس، وانواع الطعام، والعادات والتقاليد، والنظام الأبوي الاجتماعي والسياسي وخلاف ذلك». (ص 8-7).
هل يمكن تحليل مسار وتشكل الثقافة الكويتية وفق منهج مماثل؟