أقلامهم

خلود الخميس: الفكرة التي يحاول التنويريون زرعها للتخلص من رداء الدين، هي ذاتها التي تعلقك به.

نحن والهدايا..
بقلم: خلود الخميس
منذ إعلان الوليد لقدومه للدنيا، وهو في رحلة مع الهدايا، ولكن لماذا يعيش البعض، رغم غنى المال والبنين وكل متاع الدنيا، ساخطاً، والآخر الذي يكاد يملك قوت يومه متنعماً به راضياً؟!
الهدايا التي يتلقاها الإنسان في محضنه في الرحم، هي الرعاية التامة له من دون أن يقدم مجهوداً في السعي لها للبقاء قيد الحياة، بعد أن يولد، تأتيه الهدية الأخرى التي كانت متأهبة لوجوده واستضافته، حِجْر الوالدين، وفي هذه الهدية هدايا كثيرة أخرى يتلقاها معاً أو تباعا.
من هذا نبدأ رحلة في مفهوم الهدايا التي ترافق الإنسان منذ أن يُخلق وينمو في بيته الضيق ولكنه بالنسبة له العالم كله، يتغذى فيه وينام ويلعب ويأمن، كيف كان يعيش هذا المشروع البشري ويكبر في حيز من السنتيمترات، وما ان يخرج للعالم الفسيح ويعي ما حوله تتغير نظرته فيراه لا يسع أحدا معه، أو قد يذهب لأبعد من ذلك فيراه لا يسعه حتى هو منفرداً!
إنه التصور «perception» الذي يتشكل لديه عن الأشياء والمخلوقات المحيطة به، وربطه الذهني لعلاقته بهما أو العكس، الذي يجعله يرى بعين النحلة أو الذبابة.
أيضاً تأثير مكان الرؤية على التصور، فهناك زوايا عمياء بوقوفنا فيها نفقد جزءاً كبيراً من الصورة، تخفي الجمال وتظهر القبح.
بالإضافة إلى البرمجة العائلية وهذه نقطة مهمة جدا في تشكيل التصورات لدى الإنسان ومن ثمة القرارات المبنية عليها، سواء قرارات سلوكية معلنة، أو نفسية مخفية.
المولود كائن شفاف بلا شوائب، يبدأ منذ الأيام الأولى بالتعامل مع رابطه في الحياة ورفيقته طوال تسعة شهور، أمه، بالتعلم منها مدى صبرها ليخترقه ببكائه وإلحاحه، لأنه يبكي لعدة أسباب، منها الحقيقي مثل الحاجة لطعام ونظافة ودفء وغيرها، ومنها مزيف ولكنه مشروع وهو الحاجة النفسية للاقتراب من أمه، فتبدأ البرمجة، حيث يتعرف الإنسان على التكيف مع الحياة من خلال ردود أفعال العائلة، فهم إذن مسؤولون عما سيكونه.
عندما تشق سنه الأولى طريقها، ويبدأ خطواته للمشي، وينطق بحروف غير مرتبة، تأتيه هدايا الفرح من كل فرد في العائلة ويصبح محط اهتمام، هنا مازال يتبرمج من المحيطين به، مازال في دائرة الأمان العائلي، فلا نلاحظ عليه المخاوف وعدم السعادة إلا إن صُدِّرت له من أحد أفراد الأسرة، وهو يقرأ الوجوه، يعرف المشاعر من سلوك أولئك الذين يجيد فهمهم عبر قاموس المنحة الربانية، العقل.
وإن بدأت مسيرة الحياة التعليمية وبعدها الوظيفية ثم تكوين أسرته الخاصة، هو يتعلم من بيئته الكبرى وينمو سلوكياً، ذهنياً، اجتماعياً، هذا الإنسان يعيش في حياته إما مقلدا، أو مستقلا مبدعا، ومن هنا البعض يرى المحن منحاً وهدايا، والبعض الآخر يراها بلاء وشقاء وعناء.
إنها منطقة الاعتياد.
بين كل أولئك المؤثرين وتلك العوامل الخارجية، أين تذهب مسؤولية الإنسان إذن، والتي بناءً عليها يخضع للجزاء من ثواب وعقاب؟ إن كانت النظرية السابقة صحيحة!
أقول ان الوعي هو الحد الفاصل بين إسقاط المسؤولية على الأسرة والجينات والمجتمع والعالم، وبين اتخاذ الطريق الصحيح.
الوعي بمكانك ومكانتك التي وجدت هنا في سبيلها، الوعي بأن الأشياء تسير من حولك لتخدمك، وأنت تسير لتحقيق سبب وجودك (ليعبدون).
الفكرة التي يحاول التجديديون والتنويريون زرعها بك للتخلص من رداء الدين لتكون حراً، هي ذاتها التي تعلقك به، تذكر أن كل شيء جند للخالق.
الوعي، المسؤولية والحرية، مثلث العبودية الحقة، أن تعي سبب خَلقك، ثم يأتيك يوم تتكفل بمسؤولية مهامك في الحياة ضمن ذلك السبب، ثم تكون في النهاية حراً من كل شيء وكل أحد.
فكر قليلاً، هل أنت الآن حر فعلاً؟!
إن لا، فعد للوعي والمسؤولية، وتحرر لله فقط، عندها ستعرف ما الذي أتحدث عنه اليوم، وتتلقى حزمة الهدايا بشكل مختلف عن السابق، وتسعد.
جرب.