أقلامهم

راكان بن حثلين.. يكتب: ديوان الخدمة.. الوافد أولى!

رأي 
ديوان الخدمة.. الوافد أولى! 
عندما قررت الدولة إنشاء ديوان الخدمة المدنية بناء على المرسوم رقم 15 لسنة 1979، لم تكن تهدف الى خلق بوابة خلفية لتمرير معاملات النواب والسياسيين من اصحاب الحظوة، او لفتح المجال لبعض التيارات السياسية للهيمنة على مؤسسات الدولة، وبسط نفوذها من خلال تعيين المقربين منها في هذه المؤسسات سواء كانوا مواطنين او وافدين.
بل إن الدولة حينما قررت انشاء الديوان وضعت جملة من الأهداف التي تطمح الى تحقيقها، ومنحته صلاحيات واسعة للقيام بهذا الدور.
ومن اهم الاهداف التي نص عليها مرسوم إنشاء ديوان الخدمة المدنية، وضع السياسات العامة المتعلقة بالتطوير الإداري في الجهات الحكومية بما يكفل تنظيمها وتخطيط القوى العاملة فيها وتنميتها وكذلك تطوير نظام التوظف وغيرها من مجالات الخدمة المدنية، واقتراح السياسة العامة للمرتبات والأجور « بما يكفل التنسيق بين الجهات الحكومية والهيئات والمؤسسات العامة والشركات التي تساهم فيها الدولة بأكثر من نصف رأسمالها»، وإصدار التفسيرات الملزمة للجهات الحكومية فيما يتعلق بتشريعات الخدمة المدنية، ووضع سياسات استخدام القوى العاملة الوطنية في القطاعات المختلفة ومتابعة تنفيذ هذه السياسات، ووضع النظم التي تشجع القطاعات غير الحكومية على تشغيل القوى العاملة الوطنية.  
كما تضمنت الاهداف اتخاذ الإجراءات التي تؤدي للتنسيق بين مخرجات المؤسسات التعليمية والتدريبية والفرص المتاحة في القطاعات المختلفة، وإعداد نظم معالجة أوضاع الكويتيين الباحثين عن العمل، و«اعتماد السياسات المتعلقة بتعديل تركيبة القوى العاملة بما يؤدي إلى تنفيذ خطط إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة وفقاً لما تسمح به إمكانيات التطبيق، وتقرير الحوافز المناسبة لجذب القوى العاملة الوطنية للعمل في القطاعات غير الحكومية.
 ولا شك ان كل ما سبق، كلام جميل وهادف، ولكنه ككثير من القوانين الاخرى يبقى كلاما على الورق فقط، وشعارات لا نلمس اثرها في التطبيق على ارض الواقع.
 فبينما القانون يحث على استقدام القوى العاملة والاحلال للكويتيين، نجد ان مؤسسات حكومية مئة في المئة، تفتح ذراعيها لاستقبال افواج من الوافدين وبرواتب وامتيازات عالية، في حين ان هذه المؤسسات نفسها أغلقت الابواب أمام المواطنين الراغبين في العمل بحجج وذرائع «القوانين المنظمة».
وكعادتها تقوم الكثير من المؤسسات الحكومية بالتعاقد مع شركات خصخصة من أجل ادارة بعض القطاعات، ليكون هذا التعاقد منفذا لتعيين الوافدين، فيما آلاف الشباب الكويتيين من خريجي المعاهد والجامعات يعانون من البطالة، ويصطفون في طوابير طويلة انتظارا للفرج.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، ما أثير مؤخرا عن تعاقد وزارة العدل وجامعة الكويت مع شركات خاصة لجلب طباعين من جنسيات ومدخلي بيانات من الوافدين، الا ان ذلك لا يعد نقطة في بحر توهان سياسة التكويت في القطاع النفطي، الذي يمكن ان يستوعب من دون مبالغة كل المواطنين العاطلين عن العمل، وبمختلف مستوياتهم العلمية والمهنية، إذ سخر القائمون على القطاع النفطي مئات الألاف من الوظائف للقادمين من اصقاع الارض، عربا واجانب، من خلال العقود المبرمة مع الشركات الخاصة.
 كيف لا ؟!.. اذا كان ديوان الخدمة نفسه والذي يفترض ان يكون القدوة لبقية المؤسسات، تعاقد قبل فترة قصيرة مع 50 استشاريا من الوافدين، مقابل رواتب ومزايا مالية عالية، ضاربا بعرض الحائط أولوية آلاف القانونيين الكويتيين بهذه الوظائف.
 ليس ذلك فحسب، بل ان ديوان الخدمة اصبح «عين عذاري» يسقي البعيد ويترك القريب يموت ظمأ، فمعظم القرارات والتعاميم الصادرة من شؤون الخدمة المدنية تصب في اتجاه تقييد حرية الموظف الكويتي والجهة الحكومية في عمليات التعين والنقل والندب والإعارة والزيادات، بينما تزول كل القيود من أمام الوافدين في الأمور المماثلة.
وعلى سبيل المثال فان زيادة الموظف الكويتي السنوية تتم بحسب الدرجة الوظيفية، وبنسبة لا تتجاوز الـ 5 في المئة سنويا، بينما الوافدون «دربهم خضر»، فلا قيود ولا حدود تحد الزيادات، إذ يمكن ان تصل الزيادة السنوية للموظف الوافد الى 500 دينار، ولاسيما اذا كانت تقف خلفه «الواسطة»، دون ان تعترضه عقبة «القوانين المنظمة».
ويبدو ان قرارات ديوان الخدمة بلغ بها كرم الضيافة للوافدين، لدرجة منح الوافدين تذكرة دخول مباشر في عقود التوظيف، وأولوية التعيين في الوظائف الشاغرة في الجهات الحكومية، بينما يفرض على المواطن الانتظار، او التقيد بنظم النقل والندب، وكأن ديوان الخدمة اصبح سندا للوافدين، وسدا يعترض المواطنين.
 يجب ان يعاد النظر بسياسات ديوان الخدمة وقراراته المقيدة، ولا سيما فيما يتعلق بالتعيينات والندب والإعارة والزيادات السنوية، وإلزام جميع المؤسسات الحكومية او الخاصة التي تساهم بها الحكومة بسياسية الاحلال، واخضاع جميع العقود التي تبرمها المؤسسات الحكومية مع الشركات الخاصة لرقابة الديوان، حتى تكون الاولوية للكويتيين، قبل أن نشهد انحلالا لمؤسساتنا وهيمنة كاملة عليها من قبل العنصر الأجنبي.
بقلم.. راكان بن حثلين