نشرت جريدة القبس في عددها الصادر بتاريخ 13-4-2014 تحقيقاً صحفياً مهماً ومؤلماً بعنوان: (مكالمة الموت..رسالتك وصلت) جاء فيها أن نسبة 73% من حوادث السيارات القاتلة لعام 2013 في دولة الكويت كانت بسبب الانشغال بالهاتف، فضلاً عمن أصيب بشلل نصفي وبعاهات دائمة لذات السبب! شعرتُ بالرعب من هذه النسبة الخيالية والخطيرة وتساءلت حينها: ما هو الأمر المستحق الذي يجعل الإنسان يضحي بحياته وربما بحياة الآخرين من أجل رسالة عبر الواتس أب أو تغريدة أو وضع لايك على صورة في انستجرام أثناء قيادة السيارة..؟ .
وعندما بحثت عن أسباب ذلك السلوك الخطير وجدت أن من أهم الأسباب هو “ضعف الإرادة” أمام ملهيات برامج التواصل الإجتماعي للدرجة التي توصل الكثير من الناس لمرحلة “الإدمان”، لا أقول إدمان المخدرات والخمور –والعياذ بالله- ولكنه إدمان الهواتف الذكية !. والإدمان -كما تقول الدكتورة خلود البارون- هو تكرار أداء عمل بشكل قسري (تشعر بأنك ملزم ولا يمكنك منع نفسك) ويسبب اضطراباً في حياتك اليومية.
في دراسة أجراها مكتب البريد البريطاني في عام 2010 توصّل لنتيجة مفادها أن 53% من مستخدمي الهواتف الذكية في بريطانيا يعانون من القلق و رُهاب من عدم وجود الهاتف بجانبهم أو عدم توافر شبكة للإنترنت حولهم، وهو ما يُطلق عليه اسم “نوموفوبيا” “Nomophobia”وهو اختصار لـ : (No Mobile-Phone Phobia) .
فعلاً إنه رُهاب يجعلنا نشاهد كثير من المناظر التي لا تسر وأصبحت وللأسف طبيعية، فذلك الذي يقود السيارة وعينه على الهاتف لا على الطريق -وما أكثرهم-، وتلك العائلة التي تجلس في المطعم وكل واحد من أفرادها منشغلٌ بهاتفه عن الآخر وأحياناً حتى عند مجيء الطلب لايسقط الهاتف من أيديهم، وفي الزوارة الأسبوعية العائلية تجد الكل ممسك بهاتفه ولا أحد يتحدث لمن بجانبه إلا قليلا، وولي الأمر الذي يجلس في بيته وحوله أطفاله ولكنه ليس معهم.. ثم إنّ مشهد الرؤوس المطأطئة التي نشاهدها في الأسواق والأماكن العامة –مركزة نظرها في الهاتف- لَهُوَ مشهد غريب ولا يحدث حتى في الصلاة ويسبب أحياناً حوادث تصادم شخصية ! كلّه منك يا ستيف جوبز.
دعوني أصارحكم بأنه ما منّا من أحد إلا وبه نصيب من مظاهر الإدمان للهواتف الذكية بشكل أو بآخر، ولكن ما هي تلك المظاهر؟ يسرد أ.تيم جينزل مؤلف كتاب : (كيف تتغلب على إدمان الهواتف الذكية؟) تلك المظاهر فيما يلي:
– كثرة تفقّد الهاتف في اليوم (أكثر من 300 مرة بحسب بعض الخبراء).
– الرد على الرسائل في وقت متأخر من الليل.
– التحقق (التشيّك) على برامج (واتس أب، تويتر، انستجرام، فيس بوك..) أكثر من مرتين في اليوم.
– الشعور بالقلق وعدم التحكم بالنفس إذا كان الهاتف في غير متناول اليد .
– تصفح تويتر وانستجرام وغيرها من برامج أثناء قيادة السيارة والكتابة والرد أحيانا!! وهذا هو المظهر الأخطر على الإطلاق.
– استعمال الهاتف أثناء تناول وجبة الطعام مع الأهل أو الأصدقاء.
وبعد هذه التطوافة السريعة مع “النوموفوبيا”، ما العمل تجاه هذا السلوك المدمّر لكثير من نواحي حياتنا النفسية والمادية والاجتماعية؟ إليكم هذه الحلول العملية المقترحة :
– تحكم بنفسك، وقـنّن استخدامك للهاتف النقال، وابدأ من اليوم “تدريجياً” بتقليل عدد مرات دخولك لبرامج التواصل الإجتماعي (واتس أب، تويتر، فيس بوك، انستجرام)، حيث سجلت عدة أبحاث بأن اتباع هذه الاستراتيجية يزيد من تركيز الأشخاص ووعيهم بما حولهم ويجعلهم أكثر راحة واسترخاء كما تقول د.خلود البارون.
– لا تنشغل أبداً بهاتفك النقال أثناء قيادة السيارة، فإن كان هناك أمر ضروري لا يحتمل التأخير، فقف في حارة الأمان أو اذهب إلى أقرب مواقف سيارات واكتب وأرسل تلك الرسالة الضرورية ثم واصل قيادتك.. عقلك لا يمكنه التركيز بأمرين، فإما الطريق وإما الهاتف (راعي البالين كذاب).
– جرّب أن تضع هاتفك النقال على الصامت أثناء التنزّه مع الأهل أو الأصدقاء.
– قم بإلغاء خاصية التنبيه على ورود رسائل جديدة (Notification) في برنامج الواتس ساب وغيره (خاصة المجموعات أو القروبات)، هذه الخطوة ستقلل من تشتت الانتباه وتجعلك تركز أكثر فيما هو أهم .
– جرّب في أحد الأيام أن تبلغ أقربائك وأصدقائك المقربين بأن من يريدني بأمر ضروري فليرسل لي رسالة عادية (sms) أو ليتصل بي .
ختاماً أناشد قادة الرأي وأصحاب المنابر التوجيهية (إعلامية أو تربوية أو وعظية دينية) أناشدهم بتحذير الجميع –خاصة الشباب- من خطورة إدمان الهواتف الذكية وبالأخص استخدام الهاتف النقال أثناء قيادة السيارة، وأقترح على محترفي الإنتاج الإعلامي عمل مقاطع مرئية قصيرة ومبدعة لتوعية الناس بهذا الأمر الخطير.
**همسة لكل من ينشغل بهاتفه أثناء قيادة السيارة :
تذكر بأن هناك أشخاصاً ينتظرون رجوعك للمنزل سالماً، وهناك وطن وأمة في حاجة ماسّة لسواعد أبنائها الأكفاء.
وقانا الله جميعاً من شرور الإدمان التقني وحفظ الجميع من كل مكروه.
@bodeema


أضف تعليق