ترجع جذور ما يحلو للبعض تسميته بالازمة العراقية الى فترة الثمانيات من القرن الماضي وتحديدا منذ بداية الحرب العراقة الايرانية وتداعياتها الاقليمية والجيوسياسية على منطقة الخليج العربي والشرق الاوسط ككل فخلال تلك الفترة يمكن القول ان تلك الحرب قد حولت الصراع الشيعي السني من صراع عقائدي منحصر في الخلافات بين الاصول والفروع في المسائل الدينية الى صراع عقائدي مسلح وعليه فان تاثيراتها قد امتدت لتشمل نطاقا جغرافيا اوسع من نطاق الاطراف المتصارعة لتشمل العالم العربي كله بل وحتى الاسلامي فضلا عن الاقليات المسلمة في البلدان الاخرى “” يظهر هذا جليا مع تطوع عدد من العراقيين الشيعة في صفوف الحرس الثوري الايراني ابان الحرب العراقية الايرانية “”
وكون ان تلك الحرب قد استنزفت الكثير من الطاقات البشرية والاقتصادية لكلا البلدين المتحاربين فان واقع المعركة بين الطرفين بقي على حاله اي ان مرحلة التوازن الاستراتيجي لم تتغير وهذا ما ولد نوعا ولو مؤقتا من الاستقرار على الجبهة ليتبع ذلك غزو الكويت ثم تحريرها وانتشار القوات الامريكية للمرة الاولى بنطاق واسع في بلدان الخليج العربي لتضاف اليها مرحلة الحصار ولتنتهي بغزو العراق وازالة حزب البعث عن سدة الحكم .
وهنا انكسر الطوق او لنقل تغيرت المعادلة التي كانت تحكم الصراع بين الطرفين فبينما كانت ايران تتعامل مع نظامين معاديين لها في افغانستان “” حكومة طالبان “” بطول حدود 936 كم وعلى طول حدود 1485كم مع حزب البعث في العراق اصبحت تتحكم عبر مندوبيها وعملائها بالعراق مستفيدة من اللعبة الديمقراطية بينما انحسر خطر مقاتلي طالبن بعد سقوط امارتهم وتحول جل اهتمامهم لقتال القوات الامريكية الغازية في افغانستان .
خلال هذه الفترة وتحديدا بداية فترة الغزو الامريكي للعراق عام 2003 وازاحة حكم الديكتاتورية القائمة على ارادة الشخص الواحد واستبدالها بنظام ديمقراطي تبع ذلك انشاء ما يسمى بمجلس الحكم في العراق منبثقا عن سلطة الائتلاف الموحد وشمل ذلك المجلس عددا من الاطياف الدينية والسياسية للطيف العراقي لم يكن هناك تدخل سياسي واضح لايران في اللعبة السياسية العراقية وان كانت بوادره قد ظهرت بهجرة افراد من حزب الدعوة بينهم نوري المالكي اضافة الى عدد من مراجع المذهب الشيعي محمد باقر الحكيم واخيه عبد العزيز الحكيم ممن كانوا في ايران وقتها خلال هذه الفترة بدات بوادر العمل العسكري المسلح للفصائل المقاتلة في العراق وكانت جلها متوجها في بداياته ناحية القوات الامريكية بدا تلك العمليات جماعة اسمها انصار الاسلام وهي جماعة سلفية كردية نشات من تحالف بين جماعتي جند الاسلام برئاسة ابو عبدالله الشافعي والحركة الاسلامية الكردستانية بقيادة نجم الدين فرج احمد المقلب بملا كريكار عام 2001 خاضت تلك الجماعة عددا من المعارك ضد احزاب علمانية كردية وتم قصف معسكراتها ابان الغزو الامريكي للعراق وكانت اولى الجماعات المسلحة تنفيذا لعمليات عسكرية ضد القوات الامريكية حيث ان تجهيزاتها وقدراتها سبقت جميع الفضائل تبع هذه الجماعة في التشكل الكثير من الفصائل وقد زاد عددها عن 103 فصائل غاب عدد منها وتفكك اخر وتراجع دور عدد اخر منها كما ان بعضها اندمج مع فصائل عسكرية اخرى وفي المحصلة كانت تلك الفصائل مختلفة ايدولوجيا وفكريا ومذهبيا فبعضها كانت مرجعيته سنية سلفية واضحة والبعض الاخر كان ينتمي الى مدرسة الاخوان المسلمين وبعضهم كان من الشيعة وعدد اخر كان من الصوفية النقشبندية والبعثيين وفي المحصلة بعد اكثر من 12 سنة من القتال لم تبق على الساحة بشكل مؤثر سوى ثلاث او اربع جماعات منها جماعة انصار الاسلام سالفة الذكر والدولة الاسلامية “” دولة العراق الاسلامية _ الدولة الاسلامية في العراق والشام سابقا “” وجيش الطريقة النقشبندية بقيادة عزت الدوري وهم صوفية تحت قيادة بعثية اضافة الى جيش المجاهدين .
وخلال الفترة الاخيرة لم تبرز على الساحة سوى الدولة الاسلامية او ما يحلو للبعض تسميته بداعش فما هي تاثيرات وجود هذه الجماعة على الساحة العراقية وهل تشكل تهديدا شرعيا معتبرا وهل تمتلك مقومات قيام الدولة وما هي ارتباطتها الخارجية ان وجدت ..
نظرة تاريخية :_
الدولة الاسلامية في الحقيقة هي نتاج تجمع عدد من الفصائل المقاتلة في العراق ذات الفكر الواحد او ما يسميه البعض الايدولوجيا الواحدة فهي جماعة عسكرية ذات فكر سلفي جهادي تشكلت في البداية عبر ابو مصعب الزرقاوي عبر جماعة التوحيد والجهاد ثم تمت تسميتها بعد مبايعة الزرقاوي لأسامة بن لادن ب تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين وهو تنظيم استد تدريبه وتسليحه في بداية نشأته من جماعة أنصار الإسلام سالفة الذكر.
خلالها برز تنظيمه على الساحة عبر الكثير من العمليات العسكرية الناجحة اضافة إلى قوته الدعائية عبر المسمى فكان تسمية تنظيمه بتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بمثابة ابراز للواقع السلفي الجهادي في منطقة جغرافية غير مؤهلة سياسيا لاستقباله فعلى عكس افغانستان كانت العراق تعتبر مركزا علمانيا بعثيا محاربا بشكل معين للتيار الديني الساعي للحصول على سدة الحكم وعليه لم يكن هناك انتشار بارز للتيار السلفي الجهادي بها سوى المناطق الشمالية غير المسيطر عليها من قبل الحكومة المركزية العراقية وهذه المناطق هي مناطق كردية من الاساس لذلك كان لوجود هذا التنظيم وتناميه اثر بالغ في تغيير مجرى الصراع العسكري في العراق لياخذ منحنا جديدا فبينما كانت بدايات المعركة ترتكز على صراع بين حكومة عربية علمانية بعثية ديكتاتورية وقوة غازية امريكية امبريالية تحول الصراع ليصبح صراعا بين تيار السلفية الجهادية وقوى امريكية صليبية غازيا وبهذا كسيت الحرب في العراق ثوبها الحقيقي والذي كان لا بد ان ترتديه الا وهو الحرب العقائدية تطور هذا التنظيم بعدها ليندمج مع ست تشكيلات مسلحة اخرى تحت مسمى مجلس شورى المجاهدين ثم تطور بعدها في 12-6-2006 ليكون حلف المطيبين وهو تجمع من جماعات مجاهدة من بينها كتائب من جند الفاتحين وجند الصحابة وانصار التوحيد والسنة واعداد غير معلومة من العشائر السنية .
لم يدم ها الحلف اكثر من 4 اشهر وشيئا حتى اعلن بعدها عن قيام دولة العراق الاسلامية في 15-10-2006 وكان هذا بعد وفاة الزرقاوي في غارة امريكية في منطقة هبهب في ديالى في يونيو من العام نفسه وتولى القيادة من بعده ابو عمر البغدادي “” حامد عبد العزيز الزاوي “” *3 الذي قتل سنة 2010 خلال هذه الفترة انتقل التنظيم من مرحلة الجماعة المسلحة الى مرحلة الدولة وكان هذا بارزا في العراق بشكل لافت ربما لا يدركه الكثيرون فقد اعلن محارب عبدالله الجبوري المتحدث الاول باسمهم التشكيلة الوزارية الاولى للدولة الاسلامية وكان من الافت وجود وزير للنفط واخر للثروة السمكية ووزيرا للعلاقات العامة والصحة كذلك مما يدل عى ان اتنظيم كان بعيد النظر في مسالة تكوين الدولة فبعد انشاء الصحوات التي ساهم رئيس الوزارء السابق اياد علاوي بانشائها وانحسار التنظيم عن كثير من المناطق التي كان يسيطر عليها في محافظة الانبار اكبر االمحافظات العراقية فضلا عن انحساره شرقا من ديالى التي كانت مركزا جيدا لنشاطه استطاع التنظيم العودة مجدداعبر الانحياز الى صحراء الانبار ومنها اتخذها كقواعد عمليات كما ان خلاياه استطاعت القيام بعدد كبير من التفجيرات والهجمات المنسقة والقوية وتحديدا ضد وزارات ومقار حكومية عراقية منها وزارة المالية “” التي استهدفت مرتين “” اضافة الى وزارة والدفاع كما ان عمليات الاغتيال التي طالت الكثير من المسؤولين المحليين لم تكن غائبة عن فترة الصراع الممتدة منذ اعلانها الى حين تمددها في سوريا ومساهمتها في تشكيل جبهة النصرة بقيادة ابو محمد الجولاني بعد ثلاث اشهر من الحراك الشعبي هناك .
خلال هذه الفترة برز على الساحة السورية الفكر السلفي الجهادي بشكل مترامي حيث لم يكن منحصرا فقط في وجود جبهة النصرة المنبثقة من دولة لعراق الاسلامية وانما شهدت الساحة السورية انشاء عدد من الكتائب المتشابه فكريا مع تنظيم القاعدة والدولة الاسلامية حيث انشات الكتيبة الخضراء وجيش الصحابة وطالبان الاسلامية السورية كما قدم عدد من المجاهدين الشيشانيين وانضموا الى صفوف عدد من الجماعات المقاتلة بنفس الفكر الجهادي وهذا الامر بطبيعة الحال ادى الى نوع من التقارب بين تلك الكتائب حتى شهدت الفترة الاخيرة بيعة وانضمام عدد من افراد تلك الكتائب بالكامل الى صفوف الدولة الاسلامية بينما تشرذمت بقية الكتائب الاخرى ذات التوجهات الوطنية واصبح الكثير منها قليل الفاعلية .
وفي 9-4-2013 فاجا ابو بكر البغدادي الجميع عبر رسالة صوتية باعلان دولة العراق والشام الاسلامية مؤكدا ضمنا ان جبهة النصرة واميرها ابو محمد الجولاني يتبعون تنظيميا لقيادة التنظيم في العراق وان الجولاني نفسه كاتن احد جنود دولة العراق الاسلامية قبل ان يتم ارفاده مع مجموعة من المقاتلين الى سوريا لتشكيل جبهة النصرة وفي اليوم التالي مباشرة اكد الجولاني عبر رسالة صوتية له مسالة كونه احد جنود الدولة الاسلامية وشكر البغدادي على ما قدمه لجماعته في سوريا ولكنه في المقابل رفض الانضمام للدولة الاسلامية معتبرا انه لا يستطيع الانفراد بالراي دون الكتائب الاخرى المقاتلة في الساحة السورية .
وهنا لم تشهد الساحة اي مناوشات حقيقية بين التنظيمين بل ان المواقع الالكترونية نشرت صورا لمقاتلين من كلا الطرفين يتناولون العشاء مع بعضهم البعض كما شهدت ارض المعارك مشاركتهما جنبا الى جنب في العمليات العسكرية ومنها تحرير مطار منغ اضافة الى معركة حلب ولكن الامور انقلبت في شهر يناير من العام 2014 حيث اشتبك جيش المجاهدين اضافة لى عدد اخر من فصائل الجيش الحر من جهة مع الدولة الاسلامية في العراق والشام من جهة اخرى امتدت هذه المعارك لتصل من حلب وريفها الى الرقة والحسكة وريف ادلب ودير الزور استطاع خلاله التنظيم ادارة المعركة بنوع من الاحترافية فتخلى عن مواقعه في كل من ادلب والاذقية واتجه شرقا ليكون اقرب الى خطوط امداده في العراق فاستطاع السيطرة بالكامل على مدينة الرقة ثم استطاع العودة الى ريف حلب الشمالي وسيطر على الباب وجرابلس ومنبج كما كان له تواجد في مناطق الريف الشرقي الحلبي كما استطاع السيطرة على معظم ريف دير الزور مؤخرا ودون الدخول في الخلاف الذي جرى بين قيادة التنظيم في العراق وايمن الظواهري والخلافات التي طفت للسطح مع كلمات المتحدث الرسمي للدولة الاسلامية ابو محمد العدناني والتي اعلن بها ضمنيا ان تنظيم القاعدة في افغانستان يحصل على امدادات من الاراضي الايرانية وان هذا ما يمنع الدولة الاسلامية من استهداف الكيان الايراني “” دون تاكيد ذلك من مصدر مستقل “” وما جرى من محاولات للصلح عبر تحكيم الشريعة الاسلامية الغراء والاتفاق حول المضمون والاختلاف حول شكل المحكمة فبينما يرغب مناوئوا الدولة بوجود محكمة مستقلة ترغب الدولة الاسلامية بان تكون المحكمة محكمة مشتركة يوجد بها ثلاث قضاة واحد من كل طرف وثالث مرجح ان اختلفوا فان هذه المرحلة التي سبقت اعلان الخلافة الاسلامية كانت مفصلية واستطاع خلالها تنظيم الدولة الانتقال من مرحلة الدفاع الاستراتيجي الى مرحلة التوازن الاستراتيجي ثم الهجوم الاستراتيجي ليسقط اكثر مكن 45% من الاراضي والعراقية كما استطاع ان يدمج الشطرين الشامي والعراقي عبر السيطرة على ريف دير الزور على الحدود العراقية واستطاع الثبات في عاصمته الافتراضية الرقة والتمدد في الحسكة والتواجد في حلب مكونا كيانا جغرافيا قابلا للحياة ..


أضف تعليق