أقلامهم

فهيد البصيري: أدمن العالم العربي الكذب حتى بت أخشى عليه من الحقيقة.

هيلاري كلينتون والمشكلة في «الطغيان»!
| د. فهيد البصيري |
لقد أدمن العالم العربي الكذب حتى بت أخشى عليه من الحقيقة!!
وكأن العالم العربي لم يكفه تزوير التاريخ، فيريد أن يزور الحاضر ونحن نشاهده بأم أعيننا، وآخر كذبة روجتها وسائل الإعلام العربية هذه الأيام كانت حول كتاب «الخيارات الصعبة» «hard choices» لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون.
فهذه السيدة الحسناء (سابقا)، كتبت مذكراتها عن مرحلة زمنية معينة عندما كانت وزيرة للخارجية، وضمت مذكراتها مواضيع كثيرة، بدءاً من حياتها كموظفة في البيت الأبيض، وانتهاء بمشاكل التلوث والطاقة، وفي الجزء الخامس من كتابها تكلمت عن الاضطرابات في الشرق الأوسط، وعن الثورة المصرية والليبية، والتونسية، وأحداث البحرين، وكان كلامها سردا للوقائع التي حدثت في تلك المرحلة من دون زيادة أو نقصان، وما زاد كان تعليقا على الحوادث الشخصية التي صادفتها في تلك المرحلة وعن كيفية إدارتها للمشاكل.
والجميل في هيلاري كلينتون أنها صريحة في آرائها إلى حد الفضيحة، فهي مع إسرائيل قلبا وقالبا، وعلى الجانب الآخر سخرت من لجنة التحقيق الأميركية بقولها إن تنظيم «القاعدة» وطالبان كانا صنيعة الأميركيين أنفسهم، ولو كانت هذه السياسية الثرثارة في بلادنا لجعلناها عبرة لكل من ينطق حرف السين.
والمآخذ على كلينتون كثيرة، ولكن الكذب العربي الأصيل أصيل، فاخترع لنا قصصا غريبة في مذكرات هذه السيدة الصدوقة، ونقل على لسانها ما لم تقله ولن تقوله أبدا، ومما نقلوا عنها، أنها تكلمت عن تأسيس دولة إسلامية للمتشددين في سيناء، وأنها كانت وراء الثورات العربية، على أن تنطلق هذه الثورات من الكويت لكونها معقل الإخوان المسلمين، وقالوا إنها ذكرت أن الثورة المصرية المضادة والتي قامت ضد مرسي أفشلت ذلك المشروع، فانتقل المشروع إلى العراق وظهرت داعش!
والمشكلة أن الكلام السابق تداولته كل وسائل الإعلام المرئية بما فيها الصحف السيارة والجرارة، وبُنيت عليه تحليلات سياسية وكأنه كلام منزل، وبسببهم اضطررت لأن أسهر الليالي للبحث عن هذا الكتاب الفريد والذي قلب كل الموازين السياسية والفكرية والمنطقية، والحمد لله أنني وجدته في الإنترنت وأنزلته بنصه الإنكليزي الأصلي.
وكما توقعت، لم اجد فيه أثرا لما كُتب في صحافتنا المحلية والعربية، والحقيقة أن المسكينة كلينتون كانت تنصح الرئيس مرسي، وتقول إنني حذرته من زيادة تسلح المتشددين في سيناء ولكنه لم يقتنع فقلت له (بكيفك)، أما موضوع تكوين «داعش» فلا ذكر له، بل بالعكس فهي تلوم الأميركيين الذين تباطأوا في نصرة الثورة السورية ما خلق فراغا ملأه الجهاديون، أما الكويت فلم أجد لها ذكرا يُذكر.
والإعلام العربي سلاح مزدوج ينشر الأكاذيب ويدفن الحقائق، ومن أهم الحقائق التي دُفنت حية هو قول هيلاري كلينتون، إنها حاولت كما حاول من سبقها من الوزراء أن تقنع الحكومات العربية بضرورة التغيير، وإجراء بعض الإصلاحات السياسية، ولكن لا حياة لمن تنادي وتقول بالحرف النائح، كأننا نتكلم إلى جدران، وقالت إن الحكومات العربية لم تتغير ولا تريد أن تتغير، ولا يدركون تغير الأجيال، وأفضلهم من يقول إن الأمر يجب أن يتم ببطء، وكأن الزمن في العالم العربي يسير على مهله.
وتقول بكل صراحة لقد كنا في ورطة، فهذه الحكومات تعتبر من الدول الصديقة، ولكننا لا نستطيع أن نضغط عليها بشكل مباشر حتى لا نخسر بعضنا، فلنا مصالحنا، ولكننا كنا صرحاء معهم إلى درجة كبيرة في اجتماعاتنا، وكنا نقول كلامنا هذا كلما سنحت لنا الفرصة.
والكذب والتزوير في نقل كلام الغربيين كثير، والسبب أن حكوماتنا وإعلامنا يعتمدون على جهلنا باللغات الأجنبية، أو حتى عدم اهتمام المواطنين بالقراءة، فيترجمون نيابة عنا ويقولون ما يريدون! ولذا يتحول الكلام بقدرة قادر ليصب في مصلحة الحكومات العربية! ليبدو الغرب وأميركا كالشياطين لا هم لهم إلا قتلنا، وكأننا (ناقصين بلاوي)! ولتبدو الحكومات العربية وكأنها هبة من السماء لتنقذنا منهم!
ولكن رئيس وكالة المخابرات الأميركية السابق جيمس وولس، اختصر الموضوع، (وجابها من الآخر)، ومع أنهم حوروا وزورا في كلامه بعد الترجمة، إلا أنني استمعت للمقطع الصغير الذي عادة ما يستشهدون به، ودون أن يضعوا المقطع كاملاً! أتدرون ماذا قال؟
لقد فضحهم يا شيخ، وقال «المشكلة في العالم العربي ليست في الإسلام ولا المسلمين بل في الطغيان، وبالإنكليزي (tyranny)، ثم قال نحن سنقف مع الشعوب المستضعفة حتى ننتصر!
فلا تتعبوا أنفسكم في البحث عن شياطين الغرب فالشيطان بيننا!