أقلامهم

فهيد البصيري: السواد الأعظم من الإعلام يمارس الكذب السياسي بمهنية عالية.

كل شيء جائز! 
| فهيد البصيري |
«ويأتيك بالأخبار من لم تزود».
هذا ليس بكلامي، ولكنه شطر من بيت شعر في معلقة طرفة بن العبد على ما أظن، وليس مهما من هو طرفة بن العبد ولكن المهم بيته، أما شطر البيت الأول والذي يقول فيه «ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا» فهو تحصيل حاصل و(ماخوذ خيره) لأننا لا نعلم الغيب ونجهل المستقبل، وكل شيء جائز.
وفي هذه الأيام تتسابق علينا الكثير من المحطات الفضائية لتأتينا بالأخبار وبما لم نزود كما يقول طرفة، ومع أنها تدعي الحيادية، وتقسم برب الموضوعية، إلا أنها تتفنن في قلب الحقائق! وتكذب حتى في النشرة الجوية، إلا أننا مضطرون لمتابعتها، لأن حب المعرفة فطرة إنسانية وكانت السبب في طرد أبينا آدم من الجنة كما تقول كتب التوراة، ومن شابه أباه فما ظلم.
والسواد الأعظم من وسائل الإعلام يمارس الكذب السياسي بمهنية عالية، والمشكلة هنا أنك يجب أن تتأكد من الخبر من أكثر وكالة أنباء أو جريدة ثم تقارن بينها، وتقوم بعملية حسابية بسيطة فتستخرج المتوسط الحسابي للخبر لكي تتأكد من صحته.
وهناك بعض وسائل الإعلام المتخصصة في الكذب، وتعيش عليه، وعندما أقول تعيش فأنا أقصد أن سبب وجودها، والسر في استمرارها، هو أنها تكسب قوتها اليومي من الكذب، ومع ذلك فهي مستمرة وكأنها صحيفة «التايمز» الإنجليزية.
ومشكلة وسائل الإعلام تلك في العالم العربي أنه من هذا الصنف، لأنه شب على الكذب وشاب عليه، وإذا ما أخطأ ولو سهوا وقال الحقيقة «خاس ومات».
ومع ذلك لا بد من التعايش مع كذبها والتعامل معه، ولا بد من أخذه على محمل الجد، وننطلق منه في تحليل واقعنا، وبناء مستقبلنا!
وعموما نحن راضون بهذا الكذب، لأن الكذب ملح الإعلام والأقلام، وقد عشنا حياة طبيعية كاذبة، ولم يحدث لنا شيء إلا (شوية أشلاء هنا وشوية أشلاء هناك) وكم مليون مشرد، وكم مليون لاجئ، وكم طن من الرؤوس المقطوعة، وكم طن من السيارات المفخخة والحمد لله، ولكن المشكلة ماذا نفعل إذا كان الخبر صحيحا فعلا؟