يعيش العربي انفصاما لغويا منذ مئات السنين، والسبب أنه يقرأ ويتعلّم باللغة العربية الفصحى ويتحدث بلهجة ملحونة، وهذا الانفصام جعله يجد مشقّة في التحدث باللغة العربية تحدثا صحيحا، بل إن المتخصص المتقن لجميع قواعد النحو يتكلف الحديث بالفصحى لأنه يعتمد على استحضار قواعدها عند الارتجال بها، وهذه نتيجة طبيعية لمن يتعلم قواعد لغة لا يستخدمها ولا يدرّب لسانه عليها، ومن هنا جاء تفّوق بعض اللغات على اللغة العربية في الانتشار والتعليم؛ فالأنجليزية مثلا يتقنها المبتعث في أشهر لاحتياجه لها وتحدثه بها في المطعم والفندق والمطار.. بعكس العربية القابعة في الكتب والمنابر فقط!
والمذيع عندما يتحدث عبر قناة فضائية لا يَحْسن به أن يتحدث بلهجته، لأنه يقزّم نفسه بهذه اللهجة التي قد لا يفهمها عربي آخر، وقد قرأتُ لأحد المغردين وهو يغرد من الحرَم يقول: الآن أمامي رجلان عُماني وتونسي أرادا أن يتحدثا بلهجاتهم فلم يفهم أحد منهما للآخر فتحدثا بالأنجليزية! وهذه القصة خير دليل على أن اللهجات حدودها ضيق ولا تصلح أن تكون لغة إعلام. فالواجب على المذيع أن يتحدث باللغة العربية الفصحى، وأن يكون متقنا لقواعدها وأساليبها، متدربا عليها.. ولكن ماذا عن الذي أصبح مذيعا فجأة كبعض الناشطين السياسيين وبعض الكُتَّاب ومقدمي البرامج؟!
في الحقيقة أن التحدث باللغة العربية الفصحى يصعب على مثل هؤلاء خاصة وأنهم لم يدرسوا من النحو إلا نتفا قليلة أُكرهوا عليها إكراها في مراحل متفرقة من دراستهم. وبين الإتقان والتفريط هناك حل وسط وهو التحدث باللهجة البيضاء؛ واللهجة البيضاء فصحى ولكنها مخففة يقل الإعراب فيها، هذه اللهجة أدعو إليها كل من يظهر على شاشة التلفاز، لأنها سهلة على المذيع وفي الوقت نفسه ستضيِّق الهوَّةَ بين الفصحى والعامية، وستقرّب عامة الناس إلى الفصحى شيئا فشيئا، والدليل أنها اُستخدمت في الشعر النبطي منذ سنين فقرّبت شعراء النبط وجمهوره إلى الفصحى، والأمير بدر بن عبد المحسن من أربابها، ومن أمثلة شعره عليها قوله: “أرفض المسافة والسور والباب والحارس..” وهذا كلام فصيح لا ينقصه إلا تحريك أواخره، وما انفك شعراء النبط ينظمُون على هذه اللهجة البيضاء ويخرجون من لهجاتهم حتى لم نعد نعرف نَسَب قائل القصيدة من لهجته كما كان في السابق، بل إن هذه اللهجة البيضاء أوصلت بعض الشعراء إلى المزج بين الفصحى والعامية كما يفعل الشاعر ناصر الفراعنة وغيره..
وطريقة التحدث بها أن يفصّحَ المذيعُ كلامه ما استطاع بلا تحريك أواخر الكلمات، ويبتعد عن الحروف المستقبحة، ولا يبدل حرفا بحرف كنطق الجيم ياءً (جديد / يديد)، والقاف جيما (القِبلة /الجبلة)، والقاف الفصيحة قيفا –بين الكاف والقاف-، ثم يبتعد عن الألفاظ المحرّفة من الفصحى؛ فيتجنب الكويتي قول: “جذي”، والسعودي: “كِذا” بكسر الكاف، والمصري: “كِده”، والشامي: “هيك”.. فيقال بدلا من هذا كله: “كَذا” وهذه أفصح وأوضح. وبدلا من أن يقول الكويتي: “ألحين” والمصري: “دي الوقتي” والشامي: “هلّا”، وبعض السعوديين: “دحّين”، يقولون: الآن. وهكذا.. ولكن ما العمل مع الكلمات التي تُعرب بالحروف، كجمع المذكر السالم “مسلمون” والمثنى “مسلمان”، والأسماء الخمسة “أبو و أخو و ذو..” ؟!
الذي أراه أن ينطق المثنى والأسماء الخمسة بالألف دائما، وهي لغة قديمة تسمى “لغة القصر”. فيبقى لديه جمع المذكر السالم، هذا الجمع على المذيع أن يتحاشاه ما استطاع، ويأتي بجمع التكسير ليسكّن آخره، فبدلا من أن يقول: مدرسون -التي قد تكون مدرسين على حسب موقعها من الإعراب- يقول: أساتذة، وبدلا من أن يقول: سياسيون، يقول: رجال السياسة، وهكذا، وإن وقع في جمع المذكر السالم لا محالة، فعليه أن يقطع كلامه ثم يبدأ بالجمع المذكر السالم أولا ويرفعه بالواو، لأن المبتدأ دائما مرفوع، وإن أخطأ لا عليه، ولا يصح أن يُشنّع عليه، يكفيه شرف المحاولة، ومع الأيام ستستقيم سليقته.. والأفضل من كل هذه الحِيَل أن يدْرُسَ المذيعُ ما يقيم لسانه من النحو، الأمر ليس بالصعب، فمتن الآجرومية في النحو كله ثلاث عشرة صفحة! وشروحها كثيرة على اليويتيوب، يستطيع الإنسان الجاد الراغب أن يتعلمها بنفسه، وتذكروا قول الشافعي: “من تعلّم النحو هِيْب، ومن تعلّم العربية رَقَّ طبعُه”، وتذكروا قولا ينقله صاحب [عيون الأخبار]: “إذا أردت أن تعظم في عين من كنت عنده صغيرا، ويصغر في عينك من كان عندك كبيرا، فتعلّم العربية”.
عبد الله غليس
@GHLESQ8


أضف تعليق