كتاب سبر

الروح والسمع والبصر والفؤاد.. والجسد

أجمل الكتابة ما كان عن الإنسان، خصوصا ما كان في القرآن أو دل عليه القرآن الكريم، وما الإنسان؟.. ما تركيبة خلقه؟.. وماهو القلب وما الفؤاد وما الروح وما النفس؟..
موضوع شيق وجميل، أجاب عنه القرآن الذي يقدم توضيحا لكل شيء بدقة رائعة.
فالله سبحانه وتعالى يقول: “وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً”. الإسراء 12
قبل الدخول في عالم الروح الأصعب تعالوا نبدأ بالسمع والبصر.
قال الله تعالى: “إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولًا”. الإسراء 36
وقد ذكرت كلمة السمع ويسمعون وسمعوا.. ووو ألخ في القرآن 185 مرة فيما الكلمات الدالة على البصر 148 مرة.
لكن في موضوع البصر أخبر القرآن عن البصر عبر (الرؤية بالعين) 88 مرة فقط، أما الباقي فكان المراد بالبصر التبصر والتمعن عبر الذهن والفؤاد!.
جميل جدا.. لأن الله سبحانه في وصفه القرآني للنبي صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى يقول: “مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى”.. النجم 11
فالنبي لم ير ببصره فقط، وإنما بفؤاده مما يستقيم معه فهم المسألة ويقينها..
وقد وردت السمع والبصر كمتلازمتين مثل تكرار تلازم الصلاة والزكاة 38 مرة، ووردت متلازمة عدة مرات مع الفؤاد مثلا في قوله تعالى: “وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون”.. الأحقاف 26 أو قوله تعالى: “قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ”. الملك 23 كما ترافقت الصمم مع العمى ثماني مرات، مثل قوله تعالى: “أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ”. محمد 23
هكذا يسبق السمع البصر!..
مع أن العلماء يقولون بأن المعلومات التي يكتسبها الإنسان عبر البصر تتعدى نسبة الـ 70% فيما ما يكتسبه بالسمع لا يزيد عن 12%!
فما السر في هذا البدء بالسمع قبل البصر!؟
العلم يفيد بأن السمع والبصر يتطوران في الجنين في وقت واحد، لكن ما يسمى (الصحيفة السمعية) تظهر في الأسبوع الثالث أما (الصحيفة البصرية) فتظهر في الأسبوع الرابع، لتنضج الأذن وأعصاب السمع أو تكتمل في الأسبوع الثاني والثلاثين، أما العين فتكتمل بعد اسابيع من الولادة، وتظل في حال تطور حتى سن العاشرة!..
وبينما الجنين غارق في الظلام في رحم أمه فإنه يسمع صوت أمعاءها وقلبها!..
وقد ميز الله الإنسان دونا عن سائر خلقه بالسمع وهو في بطن أمه، بينما تعيش بقية المخلوقات حال صمم كامل وهي بعد في الأرحام!.. ولهذا فإن علماء التربية الحديثة يدعون للتركيز على المعلومة السمعية في تعليم الطفل وليس المعلومة البصرية، كما ساد فترة عبر ما يسمى وسائل الإيضاح!..
ونعرف جميعا أن الطفل مخلوق فطريا ليحفظ القرآن سماعيا لا كتابيا، وكثرة تقول إن للقرآن (نغما) يناسب فطرة الخلق قبل أن تلوثها مجريات الحياة!.. وهذا التسلسل العلمي والمنطقي كرسه القرآن، فهذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل، قدم السمع على البصر، دائما!..
يقول تعالى: “وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”. النحل 78.. والنبي عليه الصلاة والسلام يكمل هذا بقوله الكريم: “عن حذيفة سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏: ‏‏‏‏إن النطفة تكون في الرحم أربعين ليلة، ثم يَتَسَوَّرُ عليها الذي يخلِّقها فيقول‏:‏ يا رب، أذكر، أم أنثى‏؟‏ فيجعله اللّه ذكرًا، أو أنثى‏،‏ ثم يقول‏:‏ يا رب، سوَيٌّ، أو غير سوَيٌّ؟‏ فيجعله اللّه تعالى سويًا أو غير سوي ثم يقول‏:‏ يا ربّ، ما أجله وخلقه‏؟‏ ثم يجعله اللّه شقيًا أو سعيدًا”‏‏. ‏(يَتَسَوَّرُ عليها، أي‏:‏ ينزل عليها‏).. (مسلم)‏
وفي الحياة يفقد الإنسان البصر قبل أن يفقد السمع، ويحدث هذا في النوم ويقظته، وفي غياب الوعي وعودته!.. ويحصل في النزع الأخير عند الوفاة، وفي حالات فقدان الأوكسجين، وإذا فقد الطيار البصر جزئيا أو كليا فإنه لا يفقد حاسة السمع، وفضلا عن هذا فإنك تسمع من خلفك وأمامك وتحتك وعن جانبيك بينما مجال البصر أضيق من ذلك، وفي حال الجلطة الدماغية لا يتم فقدان السمع، فيما نصف الدماغ أن عطب يفقدك عينا ونصفه الآخر يفقدك الأخرى!..
والأهم أن المولود الأصم لا يستطيع التعلم، لكنه إن فقد النظر يتعلم!..
والأمر المهم، هو أنك تسمع المهم أكثر مما ترى المهم!.. ولهذا يقال في عالم الإعلام بأن الإذاعة كأثر على نشر الخبر ما زالت أهم من التلفزيون، فالصورة إن كانت دون توضيح قد يُختلف في شأنها، ولكن الكلام قاطع مانع.. وجامع!
سبحان الله..
ها نحن عرفنا أهمية السمع والبصر، فما هي الروح!؟
بعد أن خلق الله آدم من تراب بث فيه نفحة من روحه فكان ما سمي بالروح التي علمها فقط عند الله لا يعلمها بشر.
يقول تعالى في كتابه الكريم:
“وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً”. الإسراء -85-
وفي الحديث عن عيسى عليه السلام يقول تعالى:
“يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً”. النساء من الآية 171
والله سبحانه بعد أن خلق آدم وكان جسده زمنا طويلا ممددا دون حراك قال للملائكة: “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ”. الحجر 29 ووردت كلمة الروح بمعنى جبريل أو الملائكة مثل: “قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ. النحل 102 ووردت الروح كتعبير عن التأييد من الله لمن يشاء من عباده، يقول تعالى: “يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ”. النحل 2.
والقرآن نفسه هبة للناس من روح الله، ولذلك تجد فيه هذا النور الذي يضيء حياة المؤمنين كما في سورة الكهف تضيء بين الجمعتين وكما هو شفاء ورحمة.
عن ابي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال”. (مسلم)
وعن ابي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور مابين الجمعتين”. (الحاكم والبيهقي.. صححه الألباني)
وعنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة اضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق”. (البيهقي في شعب الايمان.. صححه الالباني)
وعن ابي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت له نوراً يوم القيامة من مقامه الى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يسلط عليه”. (الحاكم وصححه الالباني).
وحض النبي صلى الله عليه وسلّم على قراءة القرآن دائما بقوله: “اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامه شفيعا لاصحابه”. (مسلم)
ويعلمنا القرآن أن الكتاب وما أنزل من الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم هو من الروح وأن ذلك من نور الله لهداية المؤمنين يقول تعالى: “وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ”. الشورى 52.
هكذا فيما يتصل بروح الإنسان فإن اليقين أنه ما من أحد توصل لمعرفة شيء عنها غير ما نعرفه من صعوبة خروجها من الجسد عند الموت.
وليست الروح التي تقبض.. وهذا منطقي لأنه ما من أحد يقدر على قبض روح هي نفحة من روح الله!.. يقول تعالى:
“كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ”. آل عمران 185 ويقول: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ”. الرعد 35 ويقول: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ”. العنكبوت 57 ويقول: “اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”. الزمر 42
والموت بالتعبير القرآني اسم علم فهو يحضر ويجيء ويأتي.. ولكن لم يذكر في أي مرة بأن الموت هو قبض للروح، ليكون ثاني مكون في الإنسان هو (النفس) والتي  فصّلها القرآن تفصيلا وهي موكلة بأمر الله للعبد نفسه يطهرها أو ينجسها فقرارها بيده!..
وجاء النص بشأنها في القرآن تنبيها من الشر وتحريضا على الخير موجها كثيرا لـ (النفس) باعتبارها من سينال الثواب أو العقاب ومن ذلك يقول تعالى: “وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ”. البقرة 48 ويقول: “وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ”. البقرة 110 ويقول تعالى أيضا: “وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ”. البقرة 123 ويقول: “وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. ويقول: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ”. البقرة 130و207
وفي آية الدعاء الجميل يقول تعالى:
“لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ”. البقرة 286
وكما في آية المباهلة فإن النفس تعبير عن الإنسان ذاته شخصيا فيقال هو نفسه وأنفسنا وأنفسهم وعرف الإنسان عموما بالنفس “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ”. الأنبياء 35
ويقول تعالى: “فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ”. آل عمران 61
وخير تفصيل لمقام النفس وأحوالها جاء بقوله تعالى: “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا”. الشمس 7-10
وما أفهمه من هذه أن الله جعل في النفس قابليتين، الأولى للتزكية والتطهر والسمو، والثانية للنجاسة والفساد والانحطاط، وهنا أتيح لكل صاحب نفس أن يوجهها حيث يشاء، فإن فعل الأولى فقد أفلح، والله تعالى يقول “قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى”. الأعلى 14 وإن فعل الثانية “دسّاها” فقد خاب وحصد العذاب في الآخرة.. وبعدها في السورة نفسها جاءت الآيات: “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ** لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ** إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ** فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ”. الغاشية  21 – 24
ها نفهم أن الكفر هو ما يوجب العذاب الأكبر، فإن كفرت النفس تماما بالله وأشركت فكان هذا مصيرها.
يبقى من أجزاء الجسد القلب، وأحيانا يطرح السؤال هل هو القلب أم الفؤاد؟!
لقد تقارب المعنى بالنص القرآني الذي اهتم بالسمع والبصر والفؤاد واللب، لكني لاحظت مرة أن كلمة (العقل) لم ترد في القرآن، بمعنى الدماغ البشري، ما فهمت أن الإطلاق في العقل هو أمر مخصوص لله وحده فيما العقل البشري يظل ناقصا، كونه مخلوق، وحسب الأصفهاني فإن القلب سمي به لكثرة تقلبه، ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة وغير ذلك، يقول تعالى: “إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا”. الأحزاب  10 ويقول تعالى: “إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ”. ق 37.. وهي هنا بمعنة علم وفهم..
وقال تعالى: “وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ”. الأنعام 25 ويقول: “رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ”. التوبة 87
وقد قيل: وما سمي الإنسان إلا لإنسه، ولا القلب إلا أنه يتقلّب!.. وعن أنس رضي الله عنه: قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: “يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك”. رواه أحمد وآخرين.
أما الفؤاد فهو القلب ففي لسان العرب لابن منظور: والفُؤادُ: القَلْبُ لَتفَؤُّدِه وتَوَقُّدِه، ولذلك تشابه في القرآن لفظ الفؤاد والقلب، لكن الفؤاد تأتي بمعنى التوقد، أو شدة الانتباه، قال تعالى: “مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى”. النجم 11 وقال تعالى: “رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ”. إبراهيم 37
ويقول البرهان البقاعي: بأن القلب “ألطف ما في البدن، وأشده تألما بأدنى من الأذى، ولأنه منشأ العقائد الفاسدة، ومعدن حب المال الذي هو منشأ الفساد والضلال، وعنه تصدر الأفعال القبيحة”!..
لكن اللطيف بالقرآن هو أن الفؤاد هو الذي رأى.. فهل في ذلك لتأجيل رؤية الله ليوم الدين، أو في جنان النعيم مع أنه في السورة نفسها التي تتحدث عن المعراج إلى سدرة المنتهى يأتي دور البصر بقوله تعالى: “أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى* وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى* عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى* عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى* مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى* لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى”. النجم 12 – 18
وأما العقل: فهو القوة التي بها يعلم بها الإنسان ويميز الأشياء، وفي اللغة العقل من الإمساك والربط كعقل البعير بالعقال، يقول الراغب في المفردات: العقل يقال للقوة المتهيئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة عقل.
والله تعالى يقول: “وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ”. العنكبوت 43
وأما الّلب فهو خلاصة كل شيء خاليا من أي شائبة، يقول تعالى: “يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ”. البقرة 269
والإنسان من أهم ما به السمع والبصر والفؤاد.. ولذلك يقول تعالى: “وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً”. الإسراء 36
ولعلها حكمة في تركيب التراتب بخلق الإنسان في كون الدماغ أعلاه يليه الحواس كلها من السمع والبصر والشم والتذوق حيث اللسان ثم القلب محفوظا بهذا القفص العظمي المرن فجهاز الهضم، ثم ما يخص  البول والبراز.. فالجهاز التناسلي، وكل ذلك داخل جسد خلق من تراب يفنى ويرد إلى أرذل العمر ثم يبعث من جديد كي يخلد في الجنان أو العذاب بعد أن تعود إليه الروح بأمر الله سبحانه..
سبحان الله والحمد لله.. ولا إله إلا الله.