كتاب سبر

في ألم فراق المعتقل "أحمد الفضلي".. جهاد محمد يكتب:
يا وطن…”وافرض أخطيت!”

افتقدك، ثمة مساء أتى البارحة كان ثقيلا علي، منذ ان عانقت أصفادهم يديّك، صار المساء يأتي ثقيلا..بأغلالك، كمساء البارحة..ومساء اليوم..ومساء الغد، وبعض صباحاتي ايضا، تلك التي اعتادت فيما مضى على اتصالات فضولك، وسؤالك الذي لا مفر من إلقائه: “وينك؟”
يهطل فوقي..فراغك، اتأبط ذكراك، اجلس هنا حيث كنت تجلس، لا أثر بقى منك سوى قهقهة اطلقتها في لحظة فرح، كيف لمثلك ان يضحك، يفرح، يمارس كل طقوس السعادة، من دون أن يملك من الدولة بطاقة؟ أتأبط قهقهتك أيضا، أسير بها في شوارعنا الضيقة، قد زيّنت الطرقات وجدران المنازل، ففي الصليبية مازال الناس يحتفلون بعيد الوطن، يبدو انهم نسوا ان يسلبوا هذا الحق منهم، يصبغ طفل في العاشرة وجهه بعلم الدولة، كنت في سنه عندما كان يطاردك رجل وزارة التجارة بسبب بيعك الاقراص المدمجة على الارصفة.
قد اعتدت الهرب في وطنك من وطنك! يااا فراغك، هذا الذي لم يتوقف من الهطول فوقي، أتأبط طفولتك أيضا، اتكئ خلف حائط مدرسة، عند ناصية الشارع، أجمع بقايا اثقاب السجائر التي كنت تنفثها، ذات مراهقة، عندما يتم طردك صباح كل يوم من المدرسة بسبب عجز اهلك عن دفع رسومها، انهك التدخين صحتك، لكنه لم يجرحك كما فعل الوطن، هذا الذي كان ينزفك أحلاما، حينها كنت ترمي احلامك ارضا لا اثقاب السجائر، تسحقها بقدمك، تتأكد من اعدامها، قبل ان تسير نحو المجهول.
قد جبلت في وطنك على السير من المجهول إلى المجهول، يا قصي، وكل هذا الفراغ…أنت، كنت فيما مضى هنا، بنفس هذا التاريخ، وبكامل حزنك، تبيع الفرح على المارة كي يمارسوا حب الوطن برش المياه والرغوة! اذكر انك ذات سنة اشتريت بتلك الاموال حذاءً باهض الثمن، قد عرفت مبكرًا ان الناس هنا ينظرون إلى الاسفل..فقط، ها قد تساويت معهم من الاسفل، لكنهم لم يصلوا لهامتك بعد.
عام من دونك يا حبيب، لن يتغيّر فينا شيء، أعدك بهذا، فلن نبالي لو ان النفط جارنا في البلد الذي لا نعرف من خيراته سوى اسمه استمر بالانخفاض، لن يكف أطفالنا عن احتضان ارصفة الشوارع وهم يبيعون كل شيء إلا…الوطن، لن يتغير شيء، سننتظر لأشهر تأشيرة زيارة بيت الله، ستعود الرسوم للطبابة، وسيفلس صندوق التعليم، سيوظفوننا براتب الصمت، وسيرفضوتنا بداعي التقشف، فنحن اضاحيهم الجاهزة للاستهلاك المؤقت، ونحن اباء كل التهم اللقيطة، لن يتغير شيء يا أحمد، سنبقى يوسف وسيبقون اخوته، وسيبقى هذا الوطن بئرنا.
يا وطنا شحت به صكوك الغفران، لا شهداء يشفعون به، لا أسرى، ولا رفرات رعيل سابق، وطن الهجرات هذا قد قُلبت آيته، صارت جل امنيات احفاد من بنوه سابقا ان يفروا منه، لا مستقبل هنا، فافتح يا احمد ذراعيك، حلق بعيدا عنه، اترك منزلك في الصليبية المحاط بالمآذن، دع عنك أمنية ان يصبح لك به غرفة، هاجر، اسكن في شقة إلى جوار كنيسة في كوبنهاغن، انجب طفلا لا يقتات من يبيع اقراص مدمجة، لا يطرد من المدرسة، لا يعتقل لأن صوته قد ازعج مسامعهم، دعه يحلم بأحلامك، انجب ابنة، اطلق عليها اسم “كويت” ولن ينقص هذا شيء من حقوقها.
أحمد…وكل هذا الفراغ أنت، تسجننا ذكراك، كما فعلوا بك، توشيني اقدامي بأنك ها..هناك، ولا اكف عن بحثك، بت اتسولك، في وجوه المارة، بأحاديثهم، بشهامتهم، ولا صدقة وصال تأتيني منك، كأن أحدا لا يشبهك، لا احد، سوى ملح هذه الارض..وأمك، فيا قصي، وما كل حزن هذه البلد سوى..امك، تلك التي حملتك هما على هم، وفي مهدك، اجتيح وطنك، ارضعتك دموعها، وفرحة التحرير.
كما انت الآن…بات الفرح عندها مجرد ذكرى.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.