أقلامهم

عبدالله بشارة : “السعدون والنزاهة الناشفة”

في حديث واسع لرئيس البرلمان السابق أحمد السعدون مع رئيس تحرير القبس نشرته يوم الأحد 20 مارس الجاري، تكلم السياسي البارز وبصراحته المألوفة، رافضاً الترشح للانتخابات بصوت واحد أو صوتين، مقدماً مسببات للتبرير، وكعادته لا تخلو من لسعات التعبير التي ترافق حدته، رغم استمراره كرمز بارز للنزاهة والاستقامة ولصفاء الوطنية، ولدي يقين بأن الحياة السياسية والبرلمانية تحتاج إلى حضور السعدون المسحور بحماية الدستور وصد الفساد.
ويبقى السعدون مهما كانت أعذاره، مالكاً للتواصل مع الرأي العام بفضل نزاهته وضميره الوطني المخلص، كما يبقى السعدون في كل الأحيان ضرورة برلمانية مؤثرة، لأنه في فلسفته ومواقفه عابر على كل الاعتبارات القبلية والفئوية، يستوحي مفرداته من اندفاع وطني يتفوق على الهم الانتخابي، ويمتثل للضمير فقط، وأبدي بعض الملاحظات:
أولاً – أتمنى منه تلمس الواقع السياسي السائد مع تفكك التعددية السياسية داخلياً وما سببته من كساد وخمول في الحراك الوطني، وتآكل دور التجمعات. ومن دون شك، فإن تواجده داخل المجلس يولّد القوة لنشاط برلماني يتعدى السياجات القبائلية والطائفية ويتجاوزها، ويشكّل القوة الجاذبة لكل مشارب الأعضاء، اعترافاً بخبرته ولاستقامته ومثابرته على التفاصيل والتنقيب عن المثالب في السياسات العامة.
ثانياً – حضور السعدون البرلماني وقيادته للمداولات يشكّل رادعاً مخففاً من الاندفاع القبلي الخدماتي، ويدفع بالمداخلات البرلمانية نحو المصالح الكويتية الجماعية من دون انجذاب تجاه طائفة أو تكتل ما.
حضور السعدون من دون جدال يقلص الاستعراض الفئوي..
ثالثاً – أتمنى من السعدون أن يتشرب بالواقعية الراجحة، التي لا مفر منها.. sober realism، ويمتثل إلى واقع السياسة في الكويت لصعوبة العودة إلى ما كان من دوائر أو قاعدة تصويت، ولا نرضى له بأن يواصل الانتقاد بحدته المعروفة من ساحات عامة أو لقاءات تتم على الأرصفة، ما يملكه السعدون يؤهله للقيادة البرلمانية داخلياً وليس من حافة الميادين، وعطاؤه لا يثمر من الخارج فهو ليس نائباً للمناسبات وإنما للضرورة، وسيكتشف ذلك عندما يتلمس الواقع الاجتماعي المتسيد الآن، حيث يتكاثر الشعر المداح وروايات الاستظراف.
رابعاً – مآخذي كمواطن على السعدون نزعته القوية في وضع التجار ورجال الأعمال كخصم ثقيل الدم، وعاجز عن التناغم مع أطروحاته التي ينشد فيها العدالة ويسعى إلى التحاكي مع القاعدة الواسعة من الرأي العام، وأرجوه أن يدرك في الكويت لا توجد بيئة حاضنة للرأسمال المتوحش، المبتلع لحقوق الآخرين، ولعل التذكير بعبارته عن نظام B.O.T «بوق ولا تخاف» يشكّل اتهاماً كاسحاً ضد المبادرين.
خامساً – يتحدث السعدون بمرارة عما أسميه المحاسبة المفقودة، في إشارته إلى تعرض الدستور لهزات وتجاوزات في تمرير قوانين يراها غير دستورية، ويلوم النواب الذين تعايشوا مع التجاوزات، ويضيف قائلاً «لو اتخذنا موقفاً أقوى بالتصدي للعبث بالدستور لما وصلنا إليه الآن»، ولن تتوقف هذه التشوهات الدستورية مع اكتفائه بالمعارضة الصحافية. فلهذا، الوفاء للدستور يدعوه إلى حمايته من الداخل.
سادساً – نشيد بحديثه عن التشابك الأمني والتداخل المصيري بين المملكة والكويت، وأكرر دائماً أن السعودية حضن الكويت الأمني، ولتكن هذه الحقيقة قناعة جماعية.
وأخيراً، تعاني الكويت السياسية من ضيق البيئة الإبداعية الحاضنة لإنتاج برلمانيين واعدين. ومن أهم العلاجات لهذا الجفاف، تواجد أشخاص بخبرة السعدون ومقامه البرلماني، ولعل المقربين منه يسعون إلى إقناعه بالتجاوب مع صوت الوطن.