آراؤهم

أياماً معدودات

يومنا هو عبارة عن حلقة من مسلسل تاريخ الأرض، ففي الأيام خُلقت الأشياء ونشأة الكائنات وتغير الزمان وتحول المكان من خلال آيات وأحداث كانت وما زالت فيها سُنن التدافع بَين بني الإنسان كما قال تعالى:{وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس}، فاليوم الذي نعيشه يختلف تماماً عن سائر الأيام لما فيه من آيات وخصوصيات وإبداع وجماليات.

فيومياتنا خليط بين المفاهيم والأفكار والقراءات وكثرة التساؤلات حول الأحداث والتعليق عليها، ويأتي هذا الخلط والتداخل بين الأشياء نتاج طبيعي من هذا اليوم والذي فيه يتجلى نهاره بتناقضات منظمة وشتات مهذب فيحمل بين طياتهِ كل ما فيه من تخصصات متباعدة وأفكار مختلفة وأصوات غير متناسقة، إلى أن يغشانا الليل وتكون فيه الأوتار قد قسمت على مقامات هادئة ونغمات منسجمة في تلاوة خاشعة تطرب لها الآذان وينبسط إليها الحال {صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل:88].

ومن الحكم المعلومة أن الله سبحانه وتعالى فاضل بين خلقه زماناً ومكاناً، ففضل بعض الأمكنة على بعض، وفضل بعض الأزمنة على بعض، وأيضاً فضل في الأزمنة شهر رمضان على سائر الشهور، فهو فيها كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، واختص هذا الشهر بفضائل عظيمة ومزايا كبيرة، فهو الشهر الذي أنزل الله فيه القرآن، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} (البقرة:185)، وكذلك فضل الأيام بعضها على بعض فقد ورد في الحديث (إن خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة) [رواه مُسلم] وكذلك الليالي كما قال تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}.

وأما الصيام فهو احد أركان الاسلام الخمسة، وقد شرع في السنة الثانية من الهجرة وأمر الله المؤمنين بصيامه فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 183 أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ …الخ} [البقرة] فهو شرع من قبلنا لكن ليس مماثلاً لنا، ولعل هناك أهدافاً كثيرة في صيام شهر رمضان منها (التقوى) كما سبق ذكره في الآية الكريمة وهناك أيضاً مقاصد وأهداف يترتب عليها صيام هذا الشهر منها (الشكر) فمن أعطي الشكر لم يُمنع المزيد، فأتى الصيام ليعيد الإنسان ويذكره إلى قيمة النعمة ويدعوه لأن يشكر الله تعالى عليها ففي الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: “الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا ، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي” [رواه مسلم].

وقوله عز وجل: {أياما معدودات} والمراد: شهر رمضان عند جمهور المفسرين. وقال ابن عاشور:”وإنما عبر عن (رمضان) بـ (أيام)، وهي جمع قلة، ووَصَفَ بـ {معدودات} وهي جمع قلة أيضاً؛ تهويناً لأمره على المكلفين، و(المعدودات) كناية عن القلة، لأن الشيء القليل يُعدُّ عدا، ولذلك يقولون: الكثير لا يُعَدُّ.

فهي أيام معدودات ستذهب في غمضة عين فحذاري ان تذهب سدى ويفوتكم يومك والذي هو جزء من مسيرتك فإذا ذهب يومك ذهب بعضك! فضع بصمتك واعمل حول أنفع ما تجده نفسك من أعمال الخير واستخرج كُلَّ ما يستفاد بين دفتي هذا اليوم أو ما بعده فكما قيل: “فإن مع اليوم غداً يا مُسعدَه”..(فالداخل على الخير كفاعله) فاليوم الذي تدور الأرض فيها حول نفسها لا يمكن في نظري أن يطوى دون ذَكَّر فائدة أو كلمة طيبة أو رسالة صادقة أو بطرح مفهوم أو في تغير واقع سيء.

فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام أجود الناس بالخير وأجود ما يكون في شَهْر رمضان، فكل يوْم يخرج علينا يقول: يا ابن آدم إنما أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني، فوالله لا أرجع لك إلى يوم القيامة، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواه وتنمنى على الله الأماني، فاليوم كما قيل: نعمة للعاقل، وبلاءً للمريض، ومراجعة للسجين، وهباءً على من لا يستشعر قيمة الوقت، لذا فالأيام سريعة على المشغول وبطيئة على الفارغ، وكذلك شاقة على العامل ومترفه على الباطل، فالبدار البدار فاليوم عمل بلا حساب وغداً حساب بلا عمل، وقديماً قالوا: “يوم السُرور قَصير.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.