برلمان

في دراسة قانونية
د. الجدعي: تعديلات المادة الثانية لا تسري إلا على الأفعال اللاحقة

دراسة مختصرة عن قانون منع انتخاب المسيء للذات الإلهية والأنبياء والذات الأميرية

تأتي هذه الدراسة لمناقشة الاقتراح بقانون الذي وافق عليه مجلس الأمة خلال زمن قياسي بيومين بإضافة فقرة ثانية على المادة 2 من القانون رقم 35 لسنة 1965 في شأن انتخاب أعضاء مجلس الأمة والذي تمت الموافقة عليه بواقع 40 عضواً. وتم إضافة النص التالي:

” كما يحرم من الانتخاب كل من أدين بحكم نهائي في جريمة المساس ب:
1- الذات الإلهية
2- الأنبياء
3- الذات الأميرية”

ولما كانت ردة الفعل شديدة من قبل الرأي العام بوصف التعديل أنه يراد به أن يطبق على حالات بعينها منها حالة عضو مجلس الأمة السابق مسلم البراك وغيره من الأعضاء الذين صدرت بحقهم أحكام تتعلق بالمساس بالذات الأميرية، وكان النقاش مدى سريان هذا النص على الحالات سالفة الذكر.

الدراسة:

من القواعد المسلمة هي عدم رجعية العقوبات وقد نصت المادة 32 من الدستور ” لا جريمة ولا عقوبة الا بناء على قانون، ولا عقاب الا على الأفعال اللاحقة للعمل بالقانون الذي ينص عليها” كما نصت عليه المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان، والمادة 15 من العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية.

فالعقوبات أيا كانت سواء كانت أصلية أو تبعية أو تكميلية بل ولو كانت تأديبية لا تسري إلا على الأفعال اللاحقة على القانون، فالعقوبات لها نطاق زمني لا يجوز تجاوزه كأصل عام طالما كانت تضع المتهم في وضع اسوأ من وضعه السابق في حال عدم صدور تلك العقوبة.

ولما كانت عقوبة الحرمان من الإنتخاب من العقوبات التبعية التي نص عليها قانون الانتخاب في المادة 2 ” يحرم من الانتخاب المحكوم عليه بعقوبة جناية أو في جريمة مخلة بالشرف أو بالأمانة إلى أن يرد إليه اعتباره”

وكذلك المادة 68 من قانون الجزاء ” كل حكم بعقوبة جناية يستوجب حتما حرمان المحكوم عليه من الحقوق الآتية:- 1- تولي الوظائف العامة أو العمل كمتعهد أو كملتزم لحساب الدولة. 2- الترشيح لعضوية المجالس والهيئات العامة أو التعيين عضوا بها. 3- الاشتراك في انتخاب أعضاء المجالس والهيئات العامة.”

فالعقوبات التبعية لها وضع خاص فالمشرع يرى بأن هناك نوع معين من الجرائم يجب لمواجهتها اتخاذ تدابير مشددة تضاف على العقوبة الأصلية، مثال لو أرتكب شخص جريمة مخلة بالشرف والأمانة فعليه أن يعلم وقت ارتكابه للفعل الاجرامي بأن هناك عقوبة تبعية ستضاف على العقوبة الأصلية، وعليه تعد من أهم ضمانات المتهم وقواعد حسن صياغة التشريع هي عدم جواز إضافة عقوبة تبعية على العقوبة الأصلية بعد ارتكاب المتهم للفعل الاجرامي.

وقررت المحكمة الدستورية العليا في 4 يناير سنة 1992 في الدعوى رقم 22 لسنة 8 قضائية دستورية بأن مبدأ عدم تطبيق العقوبة بأثر رجعي يسري على سائر العقوبات منها العقوبات “التأديبية”.

كما قرر المجلس الدستوري الفرنسي بأن هذا المبدأ يسري على كل جزاء يحتوي أي طابع من طوابع العقاب ولو كان مقررا لجهة غير قضائية في الدعوى 155 بتاريخ 30 ديسمبر للسنة 1982.

فأي عقوبة يستحق معها المتهم اخطار سابق بعبارات واضحة ومحكمة فلو قرر القانون إضافة عقوبة تبعية فيجب أن يخطر المتهم قبل ارتكابه هذا الفعل الاجرامي بأنه مقترن بعقوبة أصلية مضافا إليها عقوبة تبعية.

يقول د. أحمد سرور في كتابه القانون الجنائي الدستوري، دار الشروق، 2006:

“… ويعد القانون أسوأ للمتهم فيما يتعلق بالعقاب إذا الحق بالجاني عقوبة أشد مما كان ينص عليه القانون القديم سواء من حيث النوع أو القدر أو من حيث الحد الأدنى أو الأقصى أو من حيث استحداث عقوبة تبعية أو تكميلية، أو جعل العقوبات التكميلية وجوبية بعد أن كانت جوازية…” ص 114

فكل ما يعدل على العقوبة بالإضافة أو المزيد من التقييد يعتبر قانون أسوأ للمتهم لا يجوز أن يسري عليه بأثر رجعي وأضاف الفقيه في كتابه بأن تقييد أسباب الإباحة وتعديل قواعد التقادم وتقييد تنفيذ العقوبة كلها تعد قانون اسوأ للمتهم لا يجوز أن تطبق بأثر رجعي.

“فيعد القانون معمولا به بأثر رجعي إذا شمل نطاق تطبيقه من حيث الزمان واقعة تمت قبل العمل بهذا القانون” سرور ص 115

وقررت المحكمة الدستورية العليا بأنه اذا سرى القانون على وقائع تم تكوينها قبل العمل بأحكامه فإن هذا القانون يكون متضمنا أثرا رجعيا فالعبرة في تحديد رجعية القانون من عدمه هو بتاريخ تحقق الواقعة القانونية..” دستورية عليا في 8 يوليو سنة 2002 القضية رقم 140 لسنة 18 قضائية

وبناء عليه ما صدر من إضافة على نص المادة الثانية من قانون الانتخاب لا تسري إلا على الأفعال اللاحقة من صدور ونشر هذا القانون ونصت المادة 178 ” تنشر القوانين في الجريدة الرسمية خلال أسبوعين من يوم إصدارها، ويعمل بها بعد شهر من تاريخ نشرها، ويجوز مد هذا الميعاد أو قصره بنص خاص في القانون.”

فلا تسري أحكام القانون الا على الأفعال اللاحقة على نشر القانون في الجريدة الرسمية ومرور مدة شهر على النشر غير مشتملة على ما جرى من أفعال قبل العمل بها.

وبناء عليه لا يمكن إضافة عقوبات سواء كانت اصلية أو تبعية أو تكميلية بل ولا يجوز تعديل مدة التقادم أو قواعد رد الاعتبار أو التقييد من أسباب الاباحة أو غيرها من الظروف طالما كانت في غير صالح المتهم.

ومن القواعد المسلمة أن المتهم يستفيد من القانون لو كان أصلح للمتهم بعد صدور حكم بات انقضت معه الدعوى الجزائية وعليه كيف يمكن القبول بتطبيق نص اسوأ للمتهم بإضافة عقوبة تبعية وهي الحرمان من الانتخاب “بعد صدور حكم بات في الدعوى الجزائية”!

د. فواز الجدعي