آراؤهم

“فالح”

أن تقف عاجزاً وأنت تشاهد المرض يفتك بمن تحب دون هوادة، ودون أن تقوى على فعل شيء من أجله، لهو موت بحد ذاته، موت من نوع آخر، الموت يعانق روحك والواقع يفلتها بعدد الثمانية والأربعين ساعة المتبقية من عمره، كما توقعها الأطباء، فأنت تموت فيها أكثر من ميتة، إنه موجود بيننا، يتنفس هواءنا، ولكن غداً سيرحل أو على الأرجح بعد غد، يمر الوقت، تتسرب الدقائق خلسةٍ من بين يديك، يستبدل الزمن دقات عقارب الساعة بنبضات قلبك التي لا تبذل جهداً لسماعها، يلازمك الموت، يتكأ بجانبك، ينام ويستيقظ معك، يااااالقسوة هذا الشعور! أن تعرف موعد الفراق الأبدي لمن تحب، على غير العادة فالموت يأتي فجأة، بغتة، دون سابق إنذار، أما هنا بدا كل شيء مختلفاً، كل شيء مُعد له بعناية لا مجال للمفاجآت أو إعادة الحسابات، دون خواطره الأخيرة في ساعات عمره الأخيرة على ما تبقى من قصاصات الورق، جلس أخيه وقد أسند ظهره إلى الكرسي بعد أن خارت قواه، يراقب جهاز قياس الإشارات الحيوية بعيون محمرة قد جف الدمع منها، للتو أنهى طبيبه المباشر ملء نموذج شهادة الوفاة ، تاركاً مهمة تسجيل زمن الرحيل للطبيب المناوب.

رحل فالح .. رحل من كان لي أخاً وأباً وصديقاً، رحل من اعتدت أن ألجأ إليه بعد الله في نوازل الدنيا ونكباتها، رحل من لا يُمل حديثه ولا مجلسه، من يجري الكرم في عروقه، لا يتصنعه أو يباهي به، رحل واصل الأرحام، من يسأل عن الكبير والصغير قريباً كان أو بعيد حتى وهو على فراش المرض ، رحل المبتسم دائماً، تاركاً ذكرى جميلة لكل من عرفه وذكر أجمل لكل من رافقه. يقول الأديب أحمد خالد توفيق الذي رحل بدوره ، الموت يختار ببراعة، يختار الأفضل والأنبل والأشجع !

إن أقسى ما يواجهنا كبشر في هذه الدنيا الفانية هو ألم الفراق الذي لا يوازيه أي وجع آخر؛ بفقد إنسان يتهشم قلبك، يتحطم، تتبعثر أجزاؤه، يُلملم بعضه النسيان ، والبعض الآخر يُفقد مع من فُقدوا، يُعتصر قلبك ألماً عندما تودع عزيز مسافر، فكيف بتوديع من لن يعود، لن يعود أبداً، ولن تبقى لك سوى الذكرى، تقتلك كل يوم بالتواطؤ مع الأماكن التي جمعتكما، محاولاً في يأس عدم الاقتراب من تلك الأماكن وكأنها حقل ألغام، خشية ألا تتفجر مشاعرك ما أن يطأ بصرك شيئاً منها، قاتل الله الفراق ما أبشعه! وقاتل الله السرطان ما أشنعه!

أعلم علم اليقين بأن الدموع لن تجدي ولو استأجرت عيون الناس لأبكي بها، وأعلم بأن دعوة صادقة بظهر الغيب لفقيد لهي أفضل من كل هذا الحزن لكنها مشاعري أسكبها على الورق لعليّ أتخلص منها.

عزائي هو محبة الناس التي لمستها في أعينهم، والتي ترجمتها الأعداد الغفيرة في تشييع جثمانه، والحزن الذي ارتسم على وجوه المعزيّن، فالناس شهداء الله في أرضه، وأني سألحق بك، إن لم يكن اليوم فبالتأكيد غداً، فأنا لم أُخلق في هذه الدنيا لأُخلّد ، كما أُشهد الله والناس أجمعين أنك أديت الأمانة يا أبو فيصل، على مدى حولين كاملين كنت أقرب فيها لأخيك من أنفاسه ولم تيأس من روح الله، تشهد لك شوارع لندن الكئيبة وأزقة مستشفياتها الأكثر كآبة، يشهد خريفها المعتم وشتاؤها المظلم، جُزيت الفردوس الأعلى بما صنعت، وجمعنا الله وإياك بأخيك على سرر متقابلين في جنات عدن عند مليكٍ مُقتدر، حيث لا موت هناك، لا فراق ولا ألم.

رحمة الله عليك يا أخي- رحمة الله عليك يا فالح.

محمد رحيم المحمدي

2 تعليقات

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.