آراؤهم

الإفراط في المحبة مدعاة للكره “الدولة العثمانية مثالاً”

في الفترة الأخيرة تأثر المجتمع بالدراما التركية التاريخية التي في الحقيقة كانت ناجحة وذكية بإيصال غايات من كتبها وعمل عليها، وهذا ما دفع كثير من المتخصصين وغيرهم -أعني التاريخ- يجتهد ويتفنن في نقل المعلومة بطريقة صناعة القدوة والحنين لتاريخ من مضى. وكأن التاريخ الذي يستحق الإشادة فقط هو تاريخ الدولة العثمانية – ارجو أن لا تفهم كلماتي ولا تصنف مع أو ضد – لسبب بسيط أن الدولة العثمانية هي حقبة من حقب التاريخ الإسلامي .

لذلك إن كان تاريخ الدولة العثمانية يستحق الإشادة -وهو كذلك- فلم التغاضي عن تاريخ الدولة الاموي وهي بلا شك أفضل ثم تاريخ الدولة العباسية ، لا اخفيكم أن هذه الكلمات اتت ردت فعل على أحد المتخصصين اثناء الحديث عن تاريخ الدولة العثمانية فسألته مستغرباً أوليس الدولة الاموية والعباسية أولى بالبحث والفخر والاعتزاز ؟! فأجابني وبكل حماسة أتريد أن امدح مروان بن الحكم او الوليد بن يزيد أو هشام البخيل أو الرشيد المزواج أو المقتدر ؟ فعجبت من الحماسة أكثر من الاسماء وكأن من أمامي أحد سادات قبائل الاوغوز !

لا أدعو لكره الدولة العثمانية لأنها جزء من التاريخ الاسلامي -ان صح التعبير- لكني أدعو للانصاف فليس الإسلام او تاريخه حكرا على بني عثمان وكأن معرفة تاريخهم بمثل أهمية الدولة الراشدة بني امية والعباسية.

فهناك من يتفاخر بتاريخ دولة ما استجابة لحنين الماضي المنتصر وتشوقاً له وهناك من يتفاخر بغية الانتقام أو ازدراء بعض الحكومات الحالية فهو لا يذكر مشهد إلا وقد قارنه بواقعنا الحالي وذلك قصور حقيقي في النظر فمن يقيس زاوية واحدة من الماضي بواقعنا دون أخذ المشهد بجميع زواياه فهذا يأخذ من التاريخ ما يعجبه والتاريخ يأتي جملة واحدة من غير انتقاء ومزاجية.

ثم إن من يتفاخر بها تجده يقارنها مع دول بعيدة جغرافياً وزمنياً ! أوليس أولى مقارنتها بدولة هي وريثتها الشرعية على نفس البقعة ! وهي التي تحن لماضيها كما نرى ذلك في الدراما التركية! فلمَ نزاحمهم حنينهم ولدينا أسلافاً يفتخر بهم التاريخ مجمعاً على فضلهم!

إن الإنجراف وراء العاطفة بهذا الشكل يصنع للمشهد خصومة تؤثر بلا شك على حقائق التاريخ وأهداف دراسته؛ فهل كان تاريخ الدولة العثمانية قبل الدراما مدفوناً ! بكل تأكيد لا فهناك كثير من المؤلفات والدراسات العلمية في تاريخ هذه الدولة تفوق أغلب ما كُتب عنها فيما بعد الدراما .

أصحاب نفس هذا الفكر هم الذين يقولون: أننا لا نقول هي دولة منزهة لها ما لها وعليها ما عليها إلا أنهم دوماً يصدحون بما لها ويجتهدون بتبرير ما عليها .

عزيزي القارئ التاريخ كعلم ليس استحضار البطولات والحكايات ومعرفة التواريخ والايام وحفظ الأسماء والبلدان فحسب بل هو التعمق في كل ذلك كي يجتهد دارسه في وضع تصور على أقل تقدير يقارب الحقيقة بشكلها العام.

إن أسلوب تضخيم البطولات على حساب أشقاء أصحاب هذه البطولات ما هو الا مدعاة للكره والبغض بمعنى أن من يشغل الوضع العام في هذه الفترة في بطولات الدولة العثمانية على حساب بقية التاريخ الإسلامي بشكله العام هو يدعو لكره هذه الدولة بشكل اخر كونه قلل من شأن الاخرين. وهذا الأمر حاضر حتى بالدراما التركية التاريخية.

اخيراً إن كانت حسنات الدولة العثمانية أكثر من سيئاتها فحسنة واحدة على سبيل المثال من تاريخ الدولة الأموية يساوي جميع حسناتها، كيف لا وهي قامت في القرن الأول! والقرون الثلاثة مفضلة كما نعرف جميعاً.

ما بعد النقطة:
الحماس غير المنضبط في محبة الدول والأفراد هو مدعاة لكرههم؛ فإن المحبة شيء والواقع والتاريخ أشياء أخرى.

فهد بن رشاش
@bin_rshash

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق