كتاب سبر

“فقه الخلاف”

مع الأسف الشديد نشأتنا العلمية في طلب العلم الشرعي كانت مليئة بالغرور والتعالي، وعدم الاعتراف بالرأي الآخر، وعدم الاعتراف بتعدد الآراء، وعدم احترام الخلاف، بدعوى أن قول مشايخنا وأساتذتنا حفظهم الله هو الصواب وهو الحق وهو الراجح، وأن قول ماعداهم من أهل العلم هو خطأ وضلال وباطل ومردود.
وبسبب هذه النشأة المليئة بالغلو والتعصب للآراء وعدم احترام الخلاف، ظهر لدينا جيل متكبر ومتعالٍ ومغرور، جيل لا يعترف بالخلاف ولا بتعدد الآراء، جيل يحتكر الحق والصواب في رأيه وفي قوله فقط، جيل لا يفرق بين الخلاف المعتبر والخلاف غير المعتبر، جيل لايفرّق بين خلاف التنوّع وخلاف التضاد، جيل يكفّر ويبدّع ويفسّق كل من خالف رأيه أو قوله.
وهذا الغلو والتعصب وعدم احترام الخلاف بلا شك أن سببه هو عدم وجود مناهج دراسية في (فقه الخلاف) يدرسها الطالب في مراحل طلب العلم سواء في المرحلة الثانوية أو الجامعية أو الدراسات العليا.
فينبغي على الإخوة القائمين في إعداد المناهج في وزارة التربية وفي التعليم الديني وفي كلية الشريعة، وضع مادة إلزامية في (فقه الخلاف) يتعلم فيها الطالب أنواع الخلاف وحكم كل نوع وكيفية التعامل مع المخالف في ضوء الكتاب والسنة.
فدراسة الطالب لـ(فقه الخلاف) تجعله يعلم أن الاختلاف سُنة ربانية لا مخلص منها، قال تعالى : (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) [هود: 118، 119].
فالناس يختلفون في ألوانهم، وأشكالهم وقبائلهم، وميولهم وعقولهم، وفي كل شيء، وقد قال الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) [الروم: 22].
وتجعله يعلم أن الخلاف ضرورة بشرية، فالاختلاف أمر ضروري نظراً لطبيعة البشر، فمن الناس من يميل إلى التشديد ومنهم من يميل إلي التيسير، ومنهم من يأخذ بظاهر النص، ومنهم من يأخذ بروح النص.
وتجعله يعلم أن الخلاف والاختلاف رحمة، فالاختلاف مع كونه سُنة ربانية، وكونه ضرورة بشرية هو كذلك رحمة بالأمة، وتوسعة عليها، ويؤيد هذا المعنى ما جاء في الحديث الذي رواه الدارقطني: «إن الله تعالى حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها».
والأشياء المسكوت عنها تكون عادة من أسباب الاختلاف، لأنها تكون منطقة فراغ تشريعي، يحاول كل فقيه أن يملأها وفقاً لأصوله وقواعده.
وماذكرت هو لمحات سريعة من (فقه الخلاف) ومن أراد الاستزادة فليرجع لكتاب (فقه الخلاف والاختلاف) للدكتور زيد الرماني، وكتاب (فقه الخلاف) للدكتور عوض القرني، وكتاب (فقه الخلاف) للدكتور نوار الشلي.
ومضة:
ألّف إسحاق الأنباري كتاباً وسماه (كتاب الاختلاف)، فقال له الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: سمّه (كتاب السعة) حتى يعلم الناس ان اختلاف العلماء والفقهاء سعة ورحمة للأمة.

د.مشاري سعيد المطرفي

د.مشاري المطرفي

د.مشاري المطرفي

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق