كتاب سبر

لا سلامة من كلام الناس

مهما كنت صادقاً ولطيفاً ومهذباً ومتسامحاً وعلى قدر كبير من الأخلاق والأدب، سوف تجد من يتكلم بك وينتقص من قدرك، ويعاديك ويحاول أن يؤذيك ويسقطك، فلا تحزن ولا تقلق فهذا طبع كثير من الناس مع الأسف.
ومن أراد أ ن لا يتكلم الناس به فهذا مجنون لا عقل له، فرضا الناس غاية لاتدرك، ولم يسلم من ألسنة الناس رب العالمين، فنسبوا له الزوجة والولد، ووصفوه بالفقر، وبأن يده مغلولة، غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا، ولم يسلم من ألسنة الناس خير البشر وهم الأنبياء والرسل عليهم السلام، ولم يسلم من ألسنة الناس خير الأنبياء والمرسلين وإمام الأولين والآخرين وخير عباد الله أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا عنه: ساحر وكاهن وكاذب ومجنون، ولم يسلم من ألسنة الناس صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين هم خير البشر بعد الأنبياء والرسل، والذين زكّاهم رب العالمين ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فسبّوهم ولعنوهم ووصفوهم بأبشع وأقبح الأوصاف، ولم يسلم من ألسنة الناس العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، ولم يسلم من ألسنة الناس عباد الله الصالحون وأهل الخير والصلاح.
فالعاقل يعلم أنه لا سلامة من ألسنة الناس ولا من أذيتهم، قال الإمام الشافعي -رحمه الله -: “احرص على ما ينفعك ودع عنك كلام الناس فإنه لا سبيل للنجاة من ألسنة الناس”.
وقد أبدع الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في وصف حال الناس، وأنه لا سبيل للسلامة من ألسنتهم في قصيدته الرائعة التي قال فيها:
ضحكت فقالوا ألا تحتشم
بكيت فقالوا ألا تبتسم
بسمت فقالوا يرائي بها
عبست فقالوا بدا ما كتم
صمت فقالوا كليل اللسان
نطقت فقالوا كثير الكلم
حلمت فقالوا صنيع الجبان
ولو كان مقتدراً لانتقم
بسلت فقالوا لطيشٍ به
وما كان مجترئاً لو حكم
يقولون شذ إذا قلت لا
وإمعة حين وافقتهم
فأيقنت أني مهما أرد
رضا الناس لا بد من أن أذم
‏وممن تفطّن أيضاً أنه لا سبيل للسلامة من ألسنة الناس ومن أذيتهم الإمام المبجّل أحمد بن حنبل -رحمه الله-، فقد سُئلَ الإمَامُ أحمَد بِن حَنبل:
‏كَيف السّبيل إلى السّلامة مِن النّاس؟
‏فأجَاب :
‏تُعطيهِم ولا تَأخُذ مِنهُم،
‏ويؤذُونَك ولا تُؤذِيهِم،
‏وتَقضي مَصالحهُم ولا تُكلفُهم بِقضَاء مَصالِحك ..
‏قِيل له: إنّها صَعبةٌ يا إمام..؟
‏قَال: وليتَك تَسلم!
فالإنسان العاقل يعامل الناس بما يرضي الله وبما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من العدل والإنصاف ومحاسن الأخلاق ، ثم لا يهمه ما يقول الناس عنه ولا يهتم به، فعدم المبالاة بكلام الناس سبب لراحة العقل والبال، قال الإمام ابن حزم -رحمه الله-: باب عظيم من أبواب العقل والراحة، وهو ترك المبالاة بكلام الناس.
ومضة:
“قال موسى عليه السلام: يا رب إن الناس يقولون فيّ ما ليس فيّ!
فأوحى الله إليه: يا موسى: لم أجعل ذلك لنفسي، فكيف أجعله لك”.

د.مشاري سعيد المطرفي

د.مشاري المطرفي

د.مشاري المطرفي

2 تعليقان

أضغط هنا لإضافة تعليق