كتاب سبر

صندوق 5 يونيو الأسود (1 من 2)

اليوم: الاثنين
5 يونيو 1967
‏الوقت : ما بين الساعة التاسعة والنصف والعاشرة صباحا
المكان: مدرسة الشعب المتوسطة
لجنة اختبار الشهادة المتوسطة
اسم التلميذ:
حمد أحمد محمد محمد السنان
الصف : الرابع المتوسط
رقم الجلوس:./.

‏الصمت يلف صالة الاختبار كما كانت أجواء الاختبارات سابقاً.. ينكسر حاجز الصمت فجأة بلغط مالبثنا أن تبيناه بعد أن تزايد..

لقد قامت الحرب بين مصر وإسرائيل..خرجنا من الصالة منتشين..سيؤدب عبدالناصر اليهود ويسترد فلسطين..
هكذا بكل ثقة.

خرجت من المدرسة متجهاً إلى البيت بمنطقة الرميثية‏وكانت وسيلة العودة كالعادة” تأشير” أو “وياك وياك”..ركبت مع صاحبي سيارة أول متبرع بتوصيلناوأثناء الطريق كنا نستمع لإذاعة صوت العرب حتى إننا لم نلتفت إلى البيت المسكون الذي قلما يمر بشارع القاهرة أحد ولا يلتفت له،حيث كنا نحصي مع أحمد سعيد أعداد الطائرات الإسرائيلية التي أسقطت والتي بلغت إلى وصولنا من الشعب إلى الرميثية 150 طائرة.

وصلت البيت ولا زالت الطائرات تتساقط حتى بلغت عند العصر 250 طائرة..وكانت بلاغات أحمد سعيد تبشرنا بأن الجيوش العربية على مشارف تل أبيب..حينها كان يقف إلى جانبي الشاب الفلسطيني الذي كان يعمل عندنا فقلت له بكل ثقة..‏سنزوركم هذه الصيفية في فلسطين.

‏كانت هذه الثقة حصيلة أخبار الاستعدادات العسكرية للجيوش العربية كنا نتابعها طيلة شهر مايو..ولن أنس توجه لواء اليرموك الذي أرسلته الكويت مساهمة منها لتحرير فلسطين.كنا نتابع كل ذلك بشغف وإثارة رغم طفولتنا.
هذا هو المشهد حينها برواية أحمد سعيد المذيع الأشهر بإذاعة صوت العرب.

أما مالم نكن نعرفه حينها وظللنا لا نعرف أسبابه طيلة سنوات بعدها، فقد جمعه ميشيل أورين في كتابه ستة أيام من الحرب..جمع فيه شهادات شهود العيان للحدث من ضباط وجنود ومدنيين وصحفيين وسياسيين،دون إبداء رأي أو تحليل.

والكتاب يقع في 600 صفحة.. جمعة مؤلفة من أكثر من 26 أرشيف ووثيقة، 66 مقابلة تاريخية شفوية لشخصيات سياسية وعسكرية ومدنية من مصر وسوريا والأردن وفلسطين وإسرائيل وروسيا وفرنسا وأمريكا، و 51 كتاب وصحيفة عربية وغير عربية..

قرأته من الجلدة إلى الجلدة.. بل صفحة صفحة.. بل حرفا حرفا لم أجد فيه ما يتحامل به مؤلفه على العرب أو ماينحاز به إلى اليهود.. بل شهادة موضوعية تبين المشهد الحقيقي لأقصر حرب بأغرب سيناريو .

سيناريو جمع بين غاية الشعور بالمسؤولية وغاية الاستهتار بها.. بين زعيم أجج الحرب، يريدها حرباً سياسية لتولي زعامة الأمة العربية، وقائد عسكري يريد خوض الحرب بقيادات قامت على ولاءات وعداءات شخصية وقرارات ميدانية مصيرية بنيت على بلاغات إذاعية.. سيناريو يجمع بين جيش أسس على عقيدة ترى في استرداد القدس جهاداً مقدساً يستمد قوته من شجاعة يوشع بن نون والملك داود والمكابيين وجيوش عقيدتها مبعثرة بين قومية وبعثية ترى التمسك بالدين رجعية والتفلت منه تقدمية!!

هذا هو سيناريو حرب الأيام الستة التي حُسمت في الساعات الثلاث الأولى من يومها الأول يوم 5 يونيو.

هذه الحرب التي أضافت إلى إسرائيل ضعفي مساحتها وهو ما لم يكن يخطط له، بل لم يكن يحلم به ليفي أشكول المتردد وحكومته المنقسمة على نفسها.

كان غاية التخطيط والجهد الاستخباراتي الرئيس ‏هو تحقيق ضربة استباقية دفاعية للقضاء على سلاح الجو المصري الذي كانت تخشى منه إسرائيل على نفسها وعلى مفاعل ديمونة النووي وتحييد الجيش المصري، ثم سلام يبنى بينها وبين مصر نتيجة لهذه النتيجة وتحقيق صلح مع سوريا والأردن لحماية حدودها من هجمات الفدائيين الفلسطينيين.

هذا غاية ما كانت تطمح إليه حكومة الكيان.. ‏واما ما سوى ذلك فكان وليد الساعة والفرصة عندما رأى جيش الدفاع الإسرائيلي حالة الجيش المصري المزرية وباقي الجيوش العربية، التي دعت مريام زوجة ليفي أشكول أن تتجرأ وتطلب من ديفيد إليعازار أن تكون بانياس هدية عيد ميلادها..

سأضرب صفحاً عن ذكر الجبهة السورية حيث لم يعدُ الأمر أن يكون بعض اشتباكات ثم هروب، ولن أذكر خيانة تسليم القنيطرة والجولان، وإن كان ثمة قتال ومقاومة باسلة فقد كان من الجبهة الأردنية.

وأما الآن ..  فإلى الحدث:

1- أيام قليلة قبل ساعة الصفر:

‏▪️هل كانت الحرب وشيكة؟
كان عبد الناصر مشتت بين احتمال قيام إسرائيل بهجوم أو عدم قيامها،في حين كان عامر متشبثاً
في توسيع سلطته اكثر
فقد غير بنية الجيش في سيناء خلال الأيام الأولى من يونيو، وملئت هذه المواقع باتباع عامر وبيروقراطيين عسكريين ذوي خبرة قتالية قليلة هذا إن كان لديهم خبرة.
وكانوا مسئوليين مباشرة أمام عامر.

▪️يقول شايكي غافيش:
لقد أوجد عامر خمس مستويات جديدة من القيادة بأْناسٍ لم يحاربوا قط..وقدّرنا أننا نستطيع أن نقطع ‫نصف الطريق السويس حتى قبل أن يتلقوا أمراً، لأن الأوامر لابد أن تمر بما لا يقل عن ستة ضباط كبار قبل وصولها إلى القيادة العليا.

▪️لواء مدفعية مضادة للدرع
ولا مدفعية
ولا مضاد للدرع!!
وصل الجنرال توفيق عبد النبي إلى سيناء ليستلم قيادة لواء المدفعية المضادة للدروع فوجد أن ليس لديه مدفعية ولا مدافع هاون وأن ليس لديه سوى سبع دبابات استعيرت من وحدة أخرى فضلا عن أن جنوده لم يكونوا يعرفون شيئا عن الحرب المضادة للدبابات!!

▪️جنود في شاحنات أبقار
‏تدفق عشرات الآلاف من الرجال الاحتياطيين الذين أعيدوا حديثاً من اليمن،وصل الكثيرون منهم في شاحنات أبقار لا يحملون بنادق ولا يلبسون زياً عسكرياً،ثيابهم مرقعة،وبطونهم خاوية،اكوام من الرجال والصبيان الضائعين بسبب إهمال قيادة القوات المسلحة ولامبالاتها ..تساءل الجنرال عبد الفتاح ‏أبو الفضل نائب رئيس المخابرات العسكرية المصرية مستغرباً:
أهذه هي حال قواتنا التي سنواجه بها عدونا إسرائيل؟!

▪️إسرائيل تقرر الحرب
بعد تردد صوّت اثنا عشر لصالح الحرب من الحكومة الإسرائيلية وعارض اثنان،وتقرر أن تكون ساعة الصفر في صبيحة اليوم التالي
الاثنين 5 يونيو
ما بين الساعة السابعة والسابعة والنصف .

2- ساعات قليلة قبل ساعة الصفر

▪️هكذا قرر عامر:
“‏بما أن إسرائيل تعاني من ضغط تكاليف الاستنفار الباهضة وتواجه تهديدات من الجبهة الشرقية فإنها لن تشن هجوما قبل أسبوعين”

▪️حقارة
‏لكن المخابرات الجوية المصرية أرسلت تقارير مكثفة حول الهجوم الإسرائيلي الوشيك إلا أن الضباط الموجودين في مقر القيادة العليا الموالين لعامر ولا يثقون بمن يوالون عبد الناصر أهملوا هذه التقارير!!

▪️ليلة صبيحة ساعة الصفر حفلٌ ساهر وحفلة زفاف
خطب الجنرال مرتجي بجنوده:
“إن عيون العالم كله تنظر إليكم في حربكم المجيدة ضد العدوان الإسرائيلي”
‏لكن الجنرال مرتجي كان في إجازة في الإسماعيلية ذلك المساء،وكان عامر يحضر حفلاً طوال الليل في القاهرة،اما مكان عبد الناصر فلم يكن معروفا وكان صدقي محمود يحضر حفلة زفاف ابنته.!!

يقول اللواء عبدالحميد الدغيدي:
‏لم يكن قائد جبهة سيناء في مكانه ولم يكن قائد الجيش في مكانه ولا من هم دونهم من الضباط..إنها الحرب الأولى من نوعها يكون قادتها جميعاً بعيدين عن مواقع قياداتهم.

▪️مدلك الرئيس الشخصي
‏كانت المعلومات عن الأهداف في غاية الدقة مربض كل طائرة نفاثة مصرية،اسم الملاح ورتبته،بل
وحتى صوته.
تم الحصول على معظم هذه المعلومات بأجهزة الكترونية وبعضها عن طريق الجواسيس وهناك مصادر من مقامات رفيعة،منهم مدلك عبد الناصر شخصياً.

▪️يقول زكريا محيي الدين:
‏في حين يعلم الإسرائيليون اسم كل جندي مصري في إجازة،واسم زوجته أيضا
فاننا نحن لا نعلم
أين يقع بيت موشي دايان.

3- ساعة الصفر

▪️رُصِّعت شاشات الرادار الأردني فجأة بصور طائرات فارسل الضابط المناوب إشارة لاسلكية برمز”عنب”وتعني الحرب
إلى مقر قيادة الجنرال عبد المنعم رياض في عمّان فحول رياض الإشارة بدوره إلى وزير الدفاع شمس بدران في القاهرة وبقيت هناك بدون فك شفرتها إذ كان المصريون ‏قد غيروا ترددات شفرتهم في اليوم السابق ولكن دون أن يعلموا الأردنيين!!
ومن المبكي أنها حتى لو وصلت وأمكن قراءتها فإن شمس بدران لم يكن موجوداً ليقرأها..لقد ذهب وزير الدفاع إلى النوم قبل بضع ساعات وأصدر أوامر صارمة بألا يزعجه أحد!!

▪️”حجر واحد فقط-ولكنه ذو وزن مميت-خرج من القلب” موشيه دايان.
‏خسر المصريون في الموجة الأولى 204 طائرات وهو نصف سلاحهم الجوي دمر على الأرض في أكثر من ‫نصف ساعة بقليل..في الموجة الثانية دمرت 107 طائرات وقتل حوالي ثلث طياريها وعطلت 13 قاعدة عن العمل ودمرت 23 محطة رادار ومواقع مضادة للطائرات..التفت قائد سلاح الجو موتي هود إلى رابين الساعة10:35
-وكنت في هذه الساعة في طريقي إلى بيتي متهللاً أحصي مع أحمد سعيد عدد الطائرات الإسرائيلية المتساقطة الذي بلغ 150طائرة-وقال:لم يعد يوجد سلاح جو مصري.

▪️حرب الاستعراضات
يقول حسين الشافعي:
‏قضت إسرائيل سنوات في الإعداد لهذه الحرب
اما نحن فقدكنا نعد للاستعراضات
إذ كانت تدريبات الاستعراض تستمر في عيد الثورة السنوي أربعة أسابيع
لكن لم تكن هناك أي إعدادات للحرب.

يتبع

حمد السنان

حمد السنان

حمد السنان

2 تعليقان

أضغط هنا لإضافة تعليق