كتاب سبر

لا تكن عليهم

البعض يسأل .. هل أنا ملزم بالمقاطعة الاقتصادية ؟ وهل مقاطعتي تؤثر؟

بداية ، لن أتطرق هنا إلى بيان الحكم الشرعي للمقاطعة الاقتصادية ، فقد أفتى كثير من العلماء والفقهاء والمشايخ الثقات أن المقاطعة الاقتصادية محققة لمقاصد الجهاد في دفع ضرر أعداء الأمة ، وساقوا الأدلة الشرعية لإثباتها. كما أني لا استهدف المخذلين والمتصهينين من بني جلدتنا الذين هم في غيهم يعمهون ، وإنما أخاطب المترددين والمشككين وممن التبس عليهم الأمر.
المقاطعة الاقتصادية (على مستوى الفرد/الشعوب) هي امتناع طوعي عن استهلاك منتجات أو طلب خدمات شركة / دولة ، بسبب ضلوع وتورط هذه الشركة / الدولة في مواقف معادية ، بهدف الضغط عليها وإرغامها لتغيير مواقفها وسياساتها.
لقد أثبتت المقاطعة الاقتصادية جدواها كوسيلة فعالة في ردع الخصوم ، لنتائجها وأضرارها الحتمية ، كتراجع حجم المبيعات وانكماش الأرباح وقلة الصادرات وتقلص الاستثمارات وهبوط أسعار الأسهم وغيرها ، وما يترتب على ذلك من آثار قد تصل إلى درجة الإفلاس. والتاريخ يزخر بأمثلة وصور للمقاطعة الاقتصادية ، فخلال الحرب العالميّة الأولى حظر الحلفاء على ألمانيا استيراد الأغذية والمواد الأوليّة للصناعات الألمانيّة. وكذلك استخدمه الهنود والمصريون والجزائريون والليبيون ضد قوات الاحتلال الإنجليزي والفرنسي والإيطالي. ولعل أشهر مقاطعة تمت عندما حظر العرب البترول عن الدول الأوروبية التي تدعم الكيان المحتل وعن حليفه الولايات المتحدة إبان حرب أكتوبر 1973. ولا ننس مؤخرا الحظر الاقتصادي الشامل على روسيا بسبب حربها مع أوكرانيا ، وغيرها كثير.
وأشهر من يوظف المقاطعة الاقتصادية كسلاح استراتيجي (وليس وسيلة) لتنفيذ مخططاتهم ومشاريعهم هم الصهاينة ، بل ارتقوا من مرتبة المقاطعة الاقتصادية إلى مرتبة الإرهاب الاقتصادي ، لتدمير وإضعاف وتحييد كل من يجرؤ على الوقوف أمامهم أو عرقلة مخططاتهم أو نقد مواقفهم أو حتى اتخاذ موقف محايد. ولم يكتف الصهاينة بسياسة الإرهاب الاقتصادي بل كان لهم السبق في ابتداع “الإرهاب المعيشي” إن جاز التعبير ، وهو محاربة كل من يخرج عن بيت الطاعة في عيشه ومصدر رزقه ، فكم من سياسي وفنان وإعلامي ورياضي وناشط ورجل أعمال وغيرهم من أصحاب المبادئ الثابتة قد دمرت مسيرتهم المهنية بسبب موقف أو رأي مخالف للصهاينة. والأمثلة والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى ، نكتفى بحملة التشويه والمقاطعة الشرسة التي تعرض لها مؤخرا الملياردير رجل الأعمال إيلون ماسك مالك منصة X من عمالقة الشركات العالمية (IBM, Apple, Adobe, Disney, Lions Gate) وغيرها واتهامه بمعاداة السامية ودعم الإرهابيين في غزة ، لمجرد تأييده تغريدة دعت (إسرائيل) لنبذ الكراهية .
ولإدراكهم مدى قوة المقاطعة وأثرها البالغ في تجيير القرارات السياسية ، فقد تداعت الملايين من شعوب العالم (غير المسلمة) إلى مقاطعة صارمة لشركات ومنتجات عالمية داعمة لعدوان وجرائم الكيان الصهيوني في غزة ، وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالتحذير والتنبيه على أن التعامل مع هذه الشركات يعد مشاركة في حرب الإبادة ، بل إن هناك دعوات متصاعدة لجعل المقاطعة دائمة كعقوبة رادعة ، مع تداول الكثير من البدائل لهذه للمنتجات .
وعودة إلى سؤال الافتتاحية ، تشير إحصاءات أولية إلى نجاح مطرد لحملة المقاطعة الاقتصادية تمثل في تفاعل وتجاوب الملايين من شعوب العالم معها واندفاعهم لنصرة القضية الفلسطينية ، وتحقيق خسائر باهظة للشركات المستهدفة ، وانخفاض فوري لقيمة أسهمها ، وتراجع حاد في مبيعاتها إلى درجة الاضطرار لإغلاق عدة فروع محلية ودولية ، ناهيك عن تغير واضح في حدة خطاب الساسة الغربيين حلفاء الصهاينة ، وانقلاب ومرونة أكبر في مواقفهم السياسة بعد التشدد والتحيز المطلق للكيان الصهيوني. وبغض النظر عن النتائج ، فإن مسؤولية كل فرد مسلم إغاثة غزة ودعم أهلها والوقوف معهم في محنتهم ومناصرتهم قولا وعملا بكل وسيلة متاحة ، نكاية في الصهاينة وحلفائهم ، ولو كان أثره رمزيا.
إن المقاطعة الاقتصادية ليست مجرد لفتة رمزية ، أو شكلا من أشكال الاحتجاج والنضال السلمي فحسب ، وإنما هي واجب شرعي وإنساني وسياسي وأخلاقي ، قبل أن تكون وسيلة فعالة قادرة على قلب الموازيين وإحداث التغيير المنشود.

وبالجملة نقول …
قاطع من أجل عقيدتك ..
فإن لم تفعل فمن أجل عروبتك ..
فإن لم تفعل فمن أجل إنسانيتك ..
فإن لم تفعل فلا تكن عليهم ، وهذا من أضعف الإيمان.

د.جاسم الفهاد