ديناصورات المعاملات النيابية
بقلم: ذعار الرشيدي
دخل نائب إلى مكتب أحد الوزراء حاملا معه 8 معاملات وطلب من الوزير الذي استقبله أحسن استقبال أن يقوم بتوقيع المعاملات الثماني بلا مانع، الوزير تأنى قليلا وقرأ المعاملة الأولى والثانية ثم قال: «إذا كل معاملاتك چذيه أنا ما أقدر أوقعها لأنها مو مستوفية الشروط»، وكانت ردة فعل النائب في جملة تختصر واقعنا السياسي بأكمله إذ خاطب الوزير قائلا: «أنا چذيه بفتح ملف المناقصات في وزارتك وأفتح تجاوزات كذا وكذا وكذا» وعدد عددا من المشاريع في الوزارة بدعوى أن فيها شبهة تعد على المال العام.
باختصار شعار بعض النواب، «يا توقع.. يا أفتح عليك تجاوزات وزارتك»، طبعا هذا الأسلوب ليس منحصرا في نواب مجلس ديسمبر 2011 بل حتى نواب مجلس فبراير 2011 وما قبلهما، هناك من يتعامل بهذا الأسلوب، ومن بينهم من يرتدي الآن رداء المعارضة، تمرير المعاملات مقابل السكوت عن التجاوزات.
الحكومة وبعض الوزراء للأسف عملوا بهذا الأسلوب، وظلت هذه العقلية مسيطرة على الطرفين النيابي والحكومي، وهي السبب الرئيسي لسرطان الفساد الذي استشرى في معظم المشاريع، فهذا يمرر وذاك يسكت، والشعب نايم، ألا ترون أن أغلب السرقات والتجاوزات لا تظهر إلا بعد حدوثها بعام أو عامين، لأنها ظلت تدفن تحت شعار «وقع لي واسكت»، وهو شعار متهم به أغلب النواب، حتى الحكومات المتعاقبة تعمدت أن تدفع فواتيرها السياسية لمن يقف معها من النواب، بتمرير معاملات، حتى ولو كانت المعاملة بحجم الديناصور ستمررها الحكومة من «سم خياط إبرة» التجاوز رغما عن الجميع، التعيينات أغلبها تسير وفق مبدأ «عين لي واسكت عنك وعن وزارتك»، بهذه العقلية تدار مفاصل الدولة، لذا لم نتقدم منذ سنوات، وتوقفت عجلة التنمية، هل تعتقدون أن التأزيم السياسي هو السبب؟، لا أبدا، هل تعتقدون أن الاستجوابات المتكررة في المجالس السابقة كانت هي سبب تعطل التنمية؟، لا والله، بل هي التعامل بعقلية شراء الولاءات والمواقف السياسية عن طريق تطييب خاطر النائب أو التيار بتعيين أو بمعاملات ديناصورية.
إذا كنتم تعتقدون أن الإيداعات المليونية كارثة، فهي ليست سوى رأس جبل جليد كوارثنا، إذا أردنا تنمية حقيقية فعلينا التوقف تماما عن التعاطي بعقلية «شوت لي وأباصي لك» أو عقلية «وقع لي واسكت لك».
هذه العقلية قتلت كل شيء فينا، هذا هو النهج الذي لابد أن يتغير، هذا هو النهج الذي لابد أن يتوقف، وأن يأتي نهج حكومي جديد يسير وفق مبدأ الكفاءة والمحاسبة الفورية والآنية، فالنائب دوره مشرع، صانع قانون، وليس مندوب معاملات، وهذه العقلية يجب أن تتوقف نيابيا أولا قبل أن تتوقف حكوميا، والملام أولا وأخيرا هم الناس الساعون بمعاملات ديناصورية إلى النواب، وإذا رفضها النائب لعدم قانونيتها أو استحالة تمريرها قالوا عنه:» ما فيه خير ما ينفع» وهكذا تلاحقه لعنة «ما فيه خير» حتى يسقط في الانتخابات، لذا يجد أغلب النواب أنفسهم يحاولون الخروج من تلك اللعنة بالتحول إلى مندوبي معاملات.
الملوم ليست الحكومة فقط ولا النواب، بل العقلية الشعبية لدينا التي ترى في النائب الذي يمرر المعاملات المستحيلة «سوبرمان» يستحق التحليق في سماء مؤسستنا التشريعية.

أضف تعليق