ما الذي أفقد «ذكرى» التحرير دهشتها؟!
خلود عبدالله الخميس
تساؤل من وحي ذكرى تحرير وطني الحبيب الكويت من الغزو العراقي الغادر في العام 90، الثلاثاء الماضي 26 فبراير.
والكويت أيضاً تحتفل يوم قبله 25 فبراير بذكرى الاستقلال. وللعلم فإن هذا التاريخ ليس ذكرى استقلال الكويت بل يوم جلوس أمير الكويت الراحل المغفور له بإذن الله الشيخ عبدالله السالم الصباح على كرسي الحكم، بينما الاستقلال في 19 يونيو. وقد يكون الكويتيون يحتفلون به معتبرينه استقلالاً للوطن، لما يملكه «أبو الدستور» -هكذا يطلقون عليه- من مكانة في قلوب الشعب، لأنه أدخل مبدأ «حكم الشعب لدولته» حيز التنفيذ بإقرار دستور الكويت في 1962. ومنذ ذاك صار الكويتي شريكاً في الحكم وإدارة البلد قانوناً، بالطبع إلى حد ما. ولو تجاوزنا عن موضوع التواريخ، فإن المناسبتين سعيدتان، استقلال، تقلد حاكم محبوب للشعب، تحرير وطن ممن قطع الطريق ليلتهمه، فلماذا إذاً أنا حزينة؟!
وحتى نخرج من دائرتي الشخصية لنطاق الاهتمام العام، ألا تظنون أن الأعياد مجملاً، وذكرى المناسبات فقدت دهشتها؟!
ما الذي أفقدنا تلك اللمعة في العيون الراقصة؟ أين ذهبت دموع الفرح وصارت دموع جرح؟ لم باتت العطلات مرتعاً للتبلد والذكريات المؤلمة المرافقة للمناسبة السعيدة؟
كنت أظن أنني مصابة بـ «متلازمة اكتئاب ذكرى المناسبات السعيدة» خوفاً من تكرار الفقد المرافق لكل كسب، لكن اعترافات أكثر من شخص أن لديهم ضيقا لا يعرفون سببه كلما جاءت مناسبة سعيدة، جعلتني أفكر وأشارككم هنا بما فكرت به. نحن نهتم بالسبب لنساند البشر في سلك دروب السعادة، قد نتوصل معاً عبر التساؤلات الجماعية لمناطق في العقل لم نبلغها بأسئلتنا منفردة.
يقول أولئك، بأنهم يحزنون عندما تعاد وتتكرر سنوية المناسبة السعيدة؟! ولنترك التحليل النفسي للمختصين، ولأشارككم برؤوس قلام لرأيي في سبب هذه المشاعر بذكرى محددة وهي ذكرى تحرير الكويت.
لقد كنت من المرابطين على أرض الوطن، خريجة طازجة تفوح مني رائحة كعك الأعياد الذي غادر الفرن للتو، ومستعد أن تلتقطه الأفواه الوفية للعجن المنزلي، وسأتزوج عن قريب. باختصار، لقد كنتُ في وجه المستقبل، أفرد جناحي لأبدأ الطيران له.
وعلى غرة فجر، وجدتني أحمل بيد إجازتي الجامعية، وفي الأخرى بندقية، أما الوطن، فقد خبأته في قلبي، كي لا يراه أحد. لقد كانت حيازته علناً تهمة عقوبتها الشنق على أخشاب شباك كرة القدم الموزعة في الساحات الترابية داخل أغلب مناطق الكويت، وقد كانت مرتعاً لفسحة شباب «الفريج» فصارت مسلخاً لهم!
لقد قُصّت أجنحتي، وأظنها عاهة مستديمة من تشوهات الحرب، فلم تنبت بعد التحرير أبداً.
لم يعد في الكويت شيء يشبهها، إلا نحن الكويتيين المرابطين في بيوتنا، فقد قررنا، بلا استثناء، العصيان المدني حتى تعود الشرعية. لم يتعاون كويتي واحد ضد كويته، نحن الذين صرنا الآن «غوغاء ومزدوجين وخارجين عن القانون ،تخيلوا؟! ما الذي تغير؟! الله أعلم.
ذكرتُ الرباط إخباراً لا تفضيلاً، ولا فرق بين مغادر ومرابط إلا بالقضاء والقدر الذي كتبه الله عليه، فكم من مغادر تمنى العودة وحبسه العذر، وكم من مرابط تمنى الخروج وحبسه المحتل، أو اقتنصه القتل.
ولكن للمرابط، بالتأكيد، تجربة القابع في سجن اسمه الوطن. لا أحد يقدر على فهم معنى أن تكون الأوطان سجناً إلا أهل الرباط.
ومنذ التحرير، بل منذ الغزو، والكويتي تتجاذبه التناقضات، لديه تساؤلات جمة متشابهة مكررة مؤلمة ملحاحة، لم يجد أغلب إجابات لها، لماذا تم احتلال الكويت؟ ومن المسؤول؟ ولِمَ لَمْ يعاقب؟
أسئلة بسيطة في أي جريمة هتك عرض فكيف بهتك وطن بمحتواه من المواطنين من الجهات الأربع ولأبعد عمق ممكن فيه وفيهم؟!
ما زلنا كشعب لا نعلم لماذا أفقنا بلا وطن وبلا حكومة!
ومن وقف مع الكويت، ومن خان عهده معها، ومن شمت بها صامتاً، ومن شمت بها مدوياً، ومن أحبها بصمت وملأ السماوات والأرض بالدعاء لتعود، ومن أحبها وعمل لتعود، ومن تآمر ودخل صفقات وتسويات معها وضدها. لا نعلم ولا فرق، ففي الحرب والحكم، لا مبادئ ثابتة!
ولكن علمنا فقط حجم فواتير تحرير الكويت، وصرنا نلاحظ، تدريجياً، أن أفضل رجال الدولة أُقصوا من مراكز المسؤولية والإدارة، وعاث الفساد بأجهزتها بدقة بلغت النخاع، وفجأة صار المرابط خائناً!
فهل برأيكم حزني كلما حانت ذكرى التحرير مستحقاً؟ أم أني أبالغ؟!

أضف تعليق