الميزان
دار الرحمة
محمد عبدالقادر الجاسم
قررت زوجتي الذهاب إلى اليمن لقضاء بضعة أيام في «دار الرحمة»، وهي مؤسسة ترعى الأيتام.. كانت تجربة عميقة لزوجتي، إذ إنها أقامت مع اليتيمات في الدار. دار الرحمة تعتمد على تبرعات الناس، ولم يقصر أصحاب الأيادي البيضاء في الكويت في مد يد العون. القصة التالية نقلتها من كتيبات دار الرحمة، وهي القصة التي أسفرت عن إنشاء الدار.
«.. قبل أن تتعافى، رمقت ابنتها بنظرة وداع حزينة، أدبرت مسرعة لا تنوي على شيء. لم يمر وقت طويل حتى اكتشفت إدارة المستشفى أنها قد هربت وتركت طفلتها للضياع والحرمان. ظلت (مريم) تبكي في إحدى غرف المستشفى أياما، بعد أن هربت أمها التي قررت أن تلحق ابنتها بعالم الضياع والحرمان.
دمعة صادقة طاهرة سقطت من عين أسماء التي كانت ترقُب المشهد من بدايته، عزمت على أن تحفظ طفولة (مريم) من الضياع. كانت أسماء تعمل ممرضة في ذلك المستشفى.
ومرت الأيام سريعاً. كانت مريم تكبر، لتتفحص كلما كبرت ألوان العالم ووجوهه المتعددة.
وفي ربيعها العاشر تقرر الأقدار فجأة أن ترحل (أسماء) عن هذه المأساة الكبيرة التي يسمونها الحياة… لتجد مريم نفسها مرة أخرى في عالم التيه والضياع.
وفي بيت الجار (أحمد) الذي حاول أن يرعى (مريم) أياما قليلة، سمعت مريم صدفة وهي تمر على غرفة الجلوس صراخ الزوجة التي كان الجميع يكرهها: أنا لا أدخل بيتي لقيطة وابنة زنا.
لم يعد هناك ضوء. كانت الدنيا كلها قد اكتست بالسواد والبشاعة. خرجت مريم مسرعة تهيم على وجهها في الشوارع. وبعد ساعات وساعات سقطت مريم في قارعة الطريق، كانت أنفاسها تنادي العالم، وتصرخ في وجوه الإنسانية البشعة. ولكن أحداً لم يلتفت إلى (مريم)..
لم تفق مريم من إغمائها إلا على تأوهات الممرضة بجوارها: مسكينة يا دكتور، مشردة، وبنت شوارع، وكمان مريضة بالسكري.
كانت مريم على موعد مع القدر مرة أخرى.. إلى جانب التشرد، أصبحت مريضة بالسكر.. لم تمضِ أيام قليلة حتى دخلت مريم العناية المركزة بسبب قطعة حلوى صغيرة حاولت مريم أن تأكلها، ظناً منها بأنها كبقية بنات العالم يمكنها أن تأكل.
كانت تلك القطعة من الحلوى الإنذار الأخير لمريم: ارتفاع حاد في السكر، نزيف في الأذن… جحوظ مرعب في العينين.
وبعد ساعة واحدة فقط، قرر الأطباء إخراج مريم من العناية المركزة، ولكن مريم كانت قد سبقتهم بقرار آخر. لقد قررت ألا تؤجل موت اليوم إلى الغد.
تخرجت مريم من هذا العالم. كانت تمضي في حفل تخرجها من بين الجموع المحتشدة وفي يدها شهادتان: الأولى كانت تحكي قتل الطفولة البريئة. والأخرى كانت صور بصمة كبيرة طبعتها مريم في جبين هذه الإنسانية الملوث بالشهوات والكبرياء والطغيان».

أضف تعليق