الميزان
من الذاكرة
محمد عبدالقادر الجاسم
«.. عند مدخل السجن، تمت إجراءات تسليمي من قبل القوات الخاصة إلى حرس السجون وانتهت مهمتهم، لم أكن أعلم أنني سوف ألتقيهم مجدداً بعد أيام قليلة. تم تفتيشي عند أول حاجز أمني داخل مجمع السجون، ثم ركبت السيارة مع أحد الضباط.. كانت المعاملة تنم عن تقدير واحترام، ساعدا، إلى حد ما، في كسر الحاجز المعنوي لزائر جديد للسجن.. خلال دقائق معدودة، وصلنا إلى مدخل «السجن القديم».
أنا أذكر هذا المكان.. أذكر كافة التفاصيل هنا.. لم تتغير الأمور كثيراً.. مبنى قديم متهالك.. نعم هذا هو المدخل ذاته الذي دخلت من خلاله في أعوام مضت حين كنت أزور بعض موكليّ المحبوسين على ذمة قضايا.. نعم فأنا أعمل في المحاماة منذ العام 1978! أذكر أنني زرت في يوم من الأيام سجناء كانوا متهمين في قضايا أمن دولة أيضاً.. تداخلت الصور بين الماضي والحاضر في المكان ذاته. دخلنا من الباب الرئيسي.. ممر يقبع في بدايته جهاز تفتيش لا يستخدم.. نهايته من جهة اليمين «غرفة إلزام»، أي مكتب المناوبة.. ومن جهة اليسار ممر يؤدي إلى مكتب المدير.. هناك تم «استقبالي» كضيف مميز.. بعد السلام والترحيب، جلست مع مجموعة من الضباط، كانت الأجواء ودية للغاية.. لكنني كنت مرتبكاً للغاية أيضاً. تم إعطائي التعليمات مع نبذة عن أجواء السجن ونظامه، ثم تم تسليمي ملابس السجن.. وتقديراً لي، طلب مني أحد الضباط استعمال غرفة صغيرة ملحقة بمكتب المدير لتبديل ملابسي ففعلت ذلك، ثم اقتادني أحد أفراد الشرطة باتجاه عنابر السجن.
حين تذهب إلى السجن، كسجين، فإنك لا تأخذ معك سوى الذكريات.. المؤلم منها والجميل، لا ملابس إضافية، لا مال، ولا أدوات نظافة.. لا شيء سوى ملابسك الداخلية التي كنت ترتديها لحظة دخولك السجن، بعد أن تتم مصادرة ملابسك الخارجية.. كانت بدلة السجن بنطالاً وقميصاً لونهما «بيج»، كانت بدلة مريحة حقاً، فالقميص أكمامه قصيرة، وهذا مهم بالنسبة لي لأنني لا أحب الأكمام الطويلة إطلاقاً…».
مقتطف من كتاب «في طريقي إلى السجن»، الذي لم تسمح وزارة الإعلام بتداوله.

أضف تعليق