أقلامهم

عبدالله العنزي: غادرةٌ أطلقها شيطان

صدى الكلمات
غادرةٌ أطلقها شيطان

كتب د.عبدالله زامل العنزي
بينما نحن في المسجد نصلي صلاة العشاء وجموع المصلين في خشوع تام خلف الإمام ، إذ سمعنا صوتا خرق الآذان وهتك ستر الصلاة وذهب بخشوعها وضاعت لذة المناجاة وحلاوة الذكر والطاعة ، ولما خرجنا من المسجد ظل الصوت مدويا يصم الآذان ويعمي الأبصار لهول قوته وشدة عنفوانه ، فإذا هي طلقات رصاص حي على رؤوس الأشهاد خارج عرس مقام بجوار المسجد ، ونظرت إلى الرصاص المتطاير وسط الحشود ، وأخذت أتساءل !! كيف يمكن أن يجد الرامي للرصاصة متعة أو فرحة في ذلك ؟ وهذه الرصاصة ربما خرجت بالطريق الخطأ فقتلت أو أصابت وكذلك إن سقطت على أحد فهي قاتلة ، فيا من ترمي قل لي بربك أين تسقط هذه الرصاصة بعد انطلاقها بوسط هذه الحشود والمناطق السكنية المأهولة ؟ لاشك أنها ستجد طريقها إلى رأس أحد المواطنين أو المارين بالصدفة بجوار هذا العرس فتصيبه بعينه أو في رأسه ليصبح ضحية لا ذنب له ، ضحية الاستهتار وعدم المسؤولية، وربما تسقط على امرأة  أو طفل فتطرحه قتيلا أو معاقا ، وربما أدت هذه الطلقة إلى إتلاف ممتلكات خاصة أو عامة .
وكم سمعنا عن أفراح تحولت بسبب إطلاق الرصاص الحي فيها إلى مآتم عظيمة ، واستحالت الأفراح إلى هم وحَزن طال أصحاب العرس وأهلهم وعشيرتهم ، أما فكر هذا الرامي برصاصات الغدر وأنه قد يزهق روحا بريئة لا ذنب لها فيسأله الله جل وعلا عن سبب قتله لها .
عن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عمن قَتَل مؤمنا متعمدا ثم تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى فقال ابن عباس وأنى له التوبة سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول يجيء متعلقا بالقاتل تشخب أوداجه دما ، يقول سل هذا فيم قتلني . ثم قال: والله لقد أنزلها وما نسخها . صححه الألباني .
فما هو الجواب ؟ هل ستجيب ربك فتقول كنت أجامل صديقي في عرسه فأطلقت تلك الرصاصات ؟ أما بلغك أن إشارتك لأخيك بالسلاح تعد جريمة في حقه كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بل إن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن تترك السيف بغير غمد يدخل فيه حتى لا يؤذي الناس نصله أو يجرح الناس بشفرته .
قل لي بربك هل هذا قتل خطأ ! أم قتل شبه عمد ؟ وكيف لا وهي أداة قتل ممنوع حيازتها وممنوع إظهارها بوسط مجتمع سلمي آمن ، وفي أحشائها رصاصة قاتلة ، ترمى بوسط حشود من الناس الآمنين ، لا أحد يضمن سلامتها ولا يأمن جانبها ولا يعلم أين يسقط هذا الموت ، خطرها محدق بالجميع أصابه الرعب يخشى أن تسقط عليه وتطرحه قتيلا ، غادرةٌ أطلقها شيطان .
ألا تُقام الأفراح إلا في ظل القتل !! ألا تتم الفرحة إلا وسط الترويع وتخويف الآمنين وفزعهم !! إن من المحزن والمخزي أن أحدا من الناس لم يُحرك شفتيه بإنكار أو يمتعض وجهه بكراهة لهذه الجريمة التي أضحت عُرفا في أفراحنا ، والسؤال لم هذه السلبية ؟ لم هذا الصمت الذي جعل الفاعل يستمرئ فعلته ؟
والعجيب أن بعضهم يحتج بقوله جل وعلا « عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم « ومعناه بفهمهم ما دام الضرر لم يقع علينا أو يمس أحبابنا فما دخلنا في ذلك ، لكن المصيبة إذا وقعت فأخذت أرواح أعزاء لديهم سمعت الأصوات قد تعالت والرفض قد ازداد وخرجت الآراء تنادي بالمنع التام والحظر الشامل لهذه الظاهرة الخطيرة ، وقد أوضح أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن هذا الفهم خاطئ فقال يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية ، وتضعونهاعلى غير موضعها وهي قوله سبحانه : « عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم « وإنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول:»إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب «.
وأي عقاب أكبر من أن أفقد أحب الناس إلي (فلذة كبدي) برصاصة طائشة لا عنوان لها ، فأعيش بعده ممزق القلب أقاسي ألم الفراق وهذا كله أثر من آثار ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وإذا كان الناس بسلبيتهم ملومين فإن قسطا من المسؤولية يقع على من بيده حفظ الأمن والأمان ومنع مثل هذه التصرفات ، إذ يتساءل الناس لماذا تسمحون بمثل هذه الممارسات التي تهدد حياة الآمنين وتروعهم في منازلهم وتزهق أرواحهم ؟
من الذي أعطى هذه التصاريح ؟ أم أن المسألة خارجة عن سيطرة أجهزة الأمن !! فإن كانت الأولى فتلك مصيبة وإن كانت الأخرى فالمصيبة أعظم إذ كيف يثق الناس في جهاز الأمن الذي من سلطته حفظ الأمن وإشعار الناس بالأمان في أوطانهم .
لقد أضحت هذه الظواهر تهدد أمننا وتقتل أبناءنا وتزيد الفرقة بدل أن تكون الأفراح سببا للوئام والمحبة .
لقد أصبح كل فرد في الأمة مسؤولا عن هذه الظاهرة ، فالوالد مسؤول عن تربية أبنائه على بغض مثل هذه التصرفات غير المسؤولة ، وتعليمه أن الرجولة ليست في إطلاق رصاص يقتل إخوانك ، وكان من الأولى توجيه الرصاص وتوفيره لقتال أعدائنا والمتسلطين على بلادنا الطامعين في ثرواته ونهب خيراته .
وكم ممن كانت عندهم المقدرة لاستعمال السلاح وقت الحاجة إليه لكنهم جبنوا عند اللقاء ، فهم أُسودٌ على إخوانهم فئران تجارب وسط المعارك ، يستخفون كما تتخفى النعامة برأسها ويصدق فيهم قول القائل :
أسدٌ علي وفي الحروب نعامة .. فتخاء تنفر من صفير الصافر .
 
إخواني
 
ضعوا الأمور في نصابها وقدّروا الناس حق قدرهم وعظموا عصمة الأنفس والأرواح ونشئوا أبناءكم على الرجولة الحقة ، علموهم أن الفرح له أسبابه وأن الحزن له أسبابه فلا تجمعوا بين الفرح والحزن في مكان واحد بتصرفات هوجاء وأفعال صبيانية تتحول بها الأفراح إلى أتراح .
وإلى كل مسؤول عن حفظ وسلامة وأمن هذا البلد اضربوا بيد من حديد على يد كل مخالف للقانون ، وإن لم تستطيعوا فإن من اللائق بكم أن تتركوا أماكنكم لمن يقدر على بسط العدل وسيادة القانون ليقف الجميع أمامه سواسية .
لا يمنع تطبيقه نسب أو حسب أو مكانة لنصبح دولة راعية لشؤون رعيتها حريصة على أمنها وأمن أفرادها .