أقلامهم

فيصل أبوصليب: الواقع الداخلي بالنسبة لحكومة أردوغان ليس بهذه الصورة السلبية التي يحاول خصومها تصويره.

تركيا العدالة والتنمية
د. فيصل أبوصليب
-1
 كان يستغل أيام عطلته خلال دراسته الجامعية ليعمل بائعا متجولا في شوارع اسطنبول، إلى أن أصبح في يوم من الأيام رئيسا لبلدية اسطنبول، وحقق فيها نجاحات طوّرت المدينة بشكل ملفت، هو رجب طيب أردوغان، تلميذ نجم الدين أربكان، زعيم حزب الرفاه الإسلامي الذي تصادم مع العلمانيين والمؤسسة العسكرية، فقامت بالانقلاب عليه في العام 1997، فاستفاد التلميذ من درس أستاذه وتفوق عليه، عندما جاء بحزبه الجديد «العدالة والتنمية» ذا التوجهات الإسلامية أو AK وتعني الأبيض ورمزه «اللمبه» وخاض به الانتخابات البرلمانية في العام 2002، فاكتسح فيها غالبية الأصوات وحصل حزبه على أغلبية مقاعد البرلمان، مقصيا خصومه السياسيين من الأحزاب اليسارية والعلمانية والقومية. 
وقد جاء حزب العدالة والتنمية برؤية ومشروع داخلي وخارجي، يهدف إلى إنعاش الاقتصاد التركي بعد الأداء السيئ لحكومة أجاويد التي تسببت بأزمة اقتصادية أدت لنتائج كارثية، فحقق خلال سنوات معدودة طفرة اقتصادية أدت إلى زيادة الدخل القومي التركي وسداد الديون الخارجية وارتفاع متوسط دخل الفرد وجذب الاستثمارات الأجنبية، فيما عمل من جانب آخر على تحقيق تسويات مهمة في الملف الكردي أدت إلى ضمان أكبر للأمن القومي التركي، كما عملت حكومة أردوغان على إعادة رسم السياسة الخارجية التركية من خلال مهندسها أحمد داود أوغلو، لتعود تركيا للعب دور محوري في منطقة الشرق الأوسط ، منطقة النفوذ التاريخي للدولة العثمانية. 
وهذه الأيام تشهد تركيا موجة احتجاجات ومظاهرات، أشبه بمحاولة لتصفية الحسابات من جانب بعض الأحزاب التي فشلت في مواجهة حزب العدالة والتنمية في صناديق الاقتراع، مثل حزب الشعب الجمهوري اليساري العلماني، وحزب اليسار الديمقراطي وحزب الحركة القومية، فسعت إلى محاولة استغلال الفرصة لتأجيج الشارع ضد حكومة أردوغان، حيث بدأت هذه الاحتجاجات من قبل بعض أنصار البيئة بعد إعلان الحكومة عزمها على نقل بعض الأشجار في ميدان عام وإقامة مركز ثقافي بدلا منها، فسعى خصوم العدالة والتنمية على استغلال هذه الأجواء للسعي إلى تصفية الحسابات السياسية بعد أن رفضهم الناخب التركي لصالح حزب العدالة والتنمية بإنجازاته الاقتصادية الكبيرة. 
والواقع الداخلي بالنسبة لحكومة أردوغان ليس بهذه الصورة السلبية التي يحاول خصومها تصويره، فمازال الحزب الحاكم يحظى بشعبية داخلية كبيرة، فقد قدّم هذا الحزب بنموذجه الإسلامي المعتدل نموذجا يحتذى من خلال تطبيقه لسياسة داخلية تنموية، وتشكيله لسياسة خارجية قوية ومؤثرة، ولكن الوضع الخارجي يشكل مأزقا بالنسبة لحكومة أردوغان، خصوصا بعد اندلاع الثورة السورية، واتخاذ تركيا لموقف معارض لنظام الأسد، فأصبح هناك خصوم أقليميون لحكومة أردوغان، يشكلون محورا إلى جانب سوريا يضم إيران وروسيا، وهناك في المنطقة العربية أيضا دول إقليمية تتوجس خيفة من سعي حزب أردوغان إلى إعادة إحياء المشروع العثماني في المنطقة، على الرغم من اتفاقها مع تركيا في موقفها تجاه الثورة السورية. كما أن العلاقات مع إسرائيل لم تصبح على مايرام منذ وصول حكومة أردوغان للسلطة. وهؤلاء الخصوم الإقليميون في المنطقة ينظرون إلى مايحصل في تركيا اليوم بعين الارتياح ويأملون بلا شك في ابتعاد حزب العدالة والتنمية بطموحاته الإقليمية عن السلطة. والواقع أنه من مصلحة دول الخليج بما فيها الكويت أن تجتاز تركيا هذه الأزمة وتستمر في لعب دور محوري في المنطقة يوازن أو يقوّض النفوذ الإيراني فيها خصوصا بعد سقوط نظام مبارك في مصر.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.