أقلامهم

د.عالية شعيب: غربة ما بعدها غربة، يعيشها الناس في هذا الوطن.

بوح صريح / صباحك وطن ياعيد
| د.عالية شعيب |
في صباحية يوم العيد الأول، كانت الشوارع خالية. المقاهي والمطاعم مهجورة تماما من روادها. وكأنه يوم آخر لرمضان. لم أر أي مظاهر احتفالية للعيد، لا الأطفال في ثيابهم الجديدة، لا النسوة ببهجتهن وثرثرتهن المرحة، ولا الشباب بدشادشيهم البيضاء الناصعة. فراغ يصفر في البلد، وخواء ينهب فرحتها.
الناس إما مسافرون هربا من روتين الحياة، أو من مسؤوليات العيد وثقله المادي، أو متباطئون ومتثاقلون، يتمطون بكسل في بيوتهم. فقدنا الزخارف التقليدية الخاصة بالعيد من طقوس احتفالية وتبادل التهاني ومنح العيديات للصغار. فقدنا الكثير من حميمية التلاقي والعناق، فالأخوة يتلصصون على حسابات بعض في النت، كل ينتظر الآخر ليبدأ بالتهاني والتبريكات. والأقرباء يترفعون عن بعضهم البعض، أو يتناسون ويطنشون. والكثيرون أغلقوا أبوابهم وهواتفهم وعبأوا مشاعرهم الباردة وأقنعتهم المختلفة في حقائبهم وسافروا.
غربة ما بعدها غربة، يعيشها الناس في هذا الوطن. فمن جهة الانقسام والضغائن والمصالح تنهش فينا، ومن جهة الاحباطات والمطالب غير المستجابة والأثقال المادية والقروض والاستقطاعات تنخر في وطنيتنا، ومن جهة انسانيتنا المفجوعة بالخروقات الأخلاقية التي سرقت منا احساسنا وضمائرنا ولم تترك لنا سوى ظلال نكاد من خلالها نتلمس هويتنا. غربة في الوطن أكثر من غربة خارجه، غربة مع الأهل والقريب أكثر من غربة مع الغريب، وغربة مع النفس حارقة ومريرة وطاعنة.
نحتاج أن نحب، أن نعرف كيف نحب يا وطني، نحتاج أن نتفكر ونستعيد الثقة بعقولنا، لندرك، لنتعقل، لنفهم، لنستيقظ، لنفعل الخير ونتسامح ونتواصل.
 
aliashuaib@twitter.com

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.