المجاهدون المهاجرون الجدد (1)
بقلم: خلود الخميس
قوانين تشريع الجهاد لم تتغير منذ فرضه الإسلام، اليوم نحن أمام أحد أنواعه، بين أهل الهجرة «المجاهد المهاجر» والنصرة «المجاهد صاحب الأرض».
فرض الجهاد تدرج وتكيف طبقاً لظروف عدة حتى تحقق مغزاه، وقد كان وجود الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بحد ذاته بين ظهراني الأمة تشريعا قائما وأسوة لا يُرد أمرها، رغم ذلك لم تخلُ ساحات الجهاد من المنافقين والمرجفين والمثبطين والمعاندين لأوامره، لقد كان بعض المنافقين يقاتلون بين الصفوف وأمير الجيش الرسول صلى الله عليه وسلم شخصياً، فعجب ممن يعجب من خلافات بين مجاهدي اليوم وأمراء جيوشهم كلهم دون محمد صلى الله عليه وسلم.
الفكر النبوي هو ذاته، لم يتبدل مصداقاً لقول الله جل جلاله (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى)، ولكن التطبيقات هي الشائبة وذلك طبيعي ملازم للبشرية.
بنظرة لمنهج فصائل المجاهدين المهاجرين في العصر الحديث في الدول التي هبوا لنصرة مسلميها، نجد أن مجاهدي الدولة نصروهم باستضافتهم وقبول معونتهم، وتآخوا معهم ليعيشوا بينهم إخوة في المنشط والمكْره يقتسمون معهم الخبز والسقف، تكاتفوا للقتال لتكون كلمة الله هي العليا، ولنصرة مستضعفين عاجزين عن دفع الصائل عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وأرضهم، وهم كذلك غير آمنين على دينهم ويُقتلون لأنهم مسلمون.
الجهاديون المهاجرون كانوا يراعون الطبائع التاريخية، الواقعية، الجغرافية، الفِرَق الدينية السائدة، والمبادئ الرئيسة التي أرساها محمد صلى الله عليه وسلم في أخلاقيات الجهاد وسلوكيات المجاهد المهاجر والمجاهد صاحب الأرض المقيم عليها، عدا أن في عهد محمد صلى الله عليه وسلم، لم تكن هناك فِرقاً متفرقة في الدين، وكان الجميع يسمون بالمسلمين فقط.
لنطرح حالات المهاجرين العرب للجهاد الأفغاني، الشيشاني، والبوسني، مثلاً لا حصراً، عندما ذاع صيت خطاب في الشيشان كان يردد «أتينا مأمورين ولسنا آمرين جنودا ولسنا قادة» رفضاً لأي نية لتأميره، ونشر عبر قدراته في التغلغل في المجتمع الشيشاني كشخصية محبوبة متواضعة زاهدة، السنة الصحيحة وتحول كثير من أتباع الصوفية لأصدقاء داعمين له، بدلاً من غلاة معارضين محرضين ضده.
عبدالله عزام وأسامه بن لادن في افغانستان، الأول اجتهد، إضافة للجهاد العسكري، بالمواءمة لنشر التقارب في المسائل الفقهية بين المذاهب الأربعة لتسهيل التعامل مع مجتمع ينتهج ما يزيد عن 80% منه المذهب الحنفي، واحتوائهم لا استعدائهم.
والثاني بايع الملا عمر أميراً لأفغانستان ودعم إمارته بالمال والعتاد، لم تراوده فكرة نزاعه على الرئاسة في أرضه رغم أن بن لادن الممول الرئيسي وأحياناً كان الوحيد للجهاد في الساحة الأفغانية إلا أن هذا لم يكن مسوغاً لطلب المجاهد المهاجر التنصيب دون أهل الأرض الأفغان.
أنور شعبان ومجاهدوه في البوسنة كانوا يشتغلون بالإغاثة وتسهيل حياة السكان وخدمتهم لتحسين ظروفهم العيشية، بالإضافة لجهادهم العسكري تحت إمرة قادة محليين أي أهل الأرض الأنصار.
تشابهت تصرفات المهاجرين المجاهدين الجدد بمراعاة أحوال المكان والإنسان هناك، والذب عن الأمة، بالنصرة المأمور بها المسلم لإخوانه بلا اعتبار لحدود وضعها غير مسلمين، واتباعاً لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم بالتكييف والاجتهاد في تطبيق الفكرة الجهادية حسب الظرفين الزمني والمكاني، من دون إفراغها من أصلها العقدي.
وحتى الجزء الثاني المكمل للمقال، أتمنى مناقشة فكرة «المجاهدين المهاجرين الجدد» للخروج بتصور وصفي دقيق متزن محايد يمكننا الإجابة عن أسئلة مهمة للجهاد المعاصر، مثل «أسباب الخلافات بين فصائل الجهاد السوري» لنعرف بالأدلة والوقائع ومقارنة بالتجارب السابقة ما الذي يحدث، وما الحل.

أضف تعليق