أقلامهم

محمد الخالدي: بعض الدول الأوروبية يوجّه فيها المدعي العام تعليماته لمنع تداول المعلومات من المحققين وليس الصحف فقط.

حظر النشر ما بين حرية مكفولة وقيود مفروضة
المحامي محمد الخالدي
-1
 عقب صدور قرار السيد النائب العام بمنع النشر في قضية الشريط المسجل واستناده في قراره إلى أن النشر في ذلك يسيء إلى المصلحة العامة ومصلحة التحقيق خاصة ويمس بالوحدة الوطنية ويلحق أشد الاضرار بالمصالح القومية للبلاد.
من حينها وقد أصبح حديث الرأي العام حول مدى قانونية هذا القرار واتساقه مع ما جاء بالدستور والقوانين من مواد ضامنة لحرية الرأي والتعبير وحامية لحق المجتمع في المعرفة.
وفي ذلك فقد أتت المادة 36 من الدستور الكويتي مؤكدة على أن «حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكل انسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما، وذلك وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون»، كما نصت المادة 37 منه على أن « حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون»- وهو ذات ما أكدت عليه المادة الأولى من القانون 3 لسنة 2006 في شأن المطبوعات والنشر-، كما نصت المادة 165 من الدستور على أن «جلسات المحاكم علنية إلا في الأحوال الاستثنائية التي يبينها القانون».
ورغم أن النصوص الدستورية والقانونية أتت واضحة في ذلك إلا أنه دائماً ما تبقى حقوق المجتمع وحرياته خاضعة لضوابط تحكمها وفقاً للقانون، وإلا سنكون أمام حالة من الفوضى، بشرط ألا تكون هذه الضوابط مصادرة للحقوق والحريات بشكل كلي، وان تكون خاضعة لقانون ينظمها سلفاً.
ونلحظ فيما استعرضناه سابقاً أنه دائما ما كانت تنتهي المواد الضامنة والمنظمة للحقوق والحريات بعبارة «وفقاً للشروط التي بينها القانون».
أي أن النص الدستوري والقانوني أتى فيما نص عليه من حقوق وحريات متوقفاً على ما بينه القانون من شروط قد تقيد هذا الحق أو الحرية لفترة ما.
وقد استند البيان الصادر من النائب العام في منعه للنشر للعديد من الأمور التي قد لا يُرىَ أنها لا تستقيم مع حق النشر – مع العلم أن المنع هنا منع مؤقت لحين انتهاء التحقيق أي أن الحق غير مصادر عليه كليا بل هو معطل لفترة معينة، لو لم يتم المنع خلالها ستكون العواقب المجتمعية وخيمة طبقا لتقدير سلطة التحقيق، مع جواز استمرار المنع طوال مدة المحاكمة-، وبعد ذلك يكون من حق المجتمع كافة أن يطلع على الحقيقة كاملة غير منقوصة.
وفيما يلي نبين بعض الضوابط والشروط التي بينها القانون في ذلك، فقد أتت المادة 75 من القانون 17/ 1960 بشأن الاجراءات والمحاكمات الجزائية مانحة الحق لجهات التحقيق بأن تأمر بجعل التحقيق سرياً إذا اقتضت الضرورة ذلك، كما أتت المادة 11 من قانون 61 /2007 بشأن الاعلام المرئي والمسموع بعدة مسائل يحظر بثها، كذلك المادة الأولى من قانون 19/2012 في شأن حماية الوحدة الوطنية، كما أتت المادة 21/2 من قانون المطبوعات والنشر رقم 3/2006  لتشير أنه يحظر نشر كل ما تقرر المحاكم أو جهات التحقيق سريته. 
واستناداً لكل ما سبق يعطل الحق في المعرفة والنشر لفترة معينة، يتاح بعدها الحق للكافة للعلم بكل ما كان ونشره ان أرادوا.
 فالموازنة ما بين حق المعرفة والمعلومة وعدم التأثير على سير العدالة أو تهديد الصالح العام هو أمر غاية الصعوبة، ولكنه ليس بالمستحيل.
وبنظرة عامة فإننا نميل لما ذهبت إليه بعض الدول الأوروبية وذلك في إطار  سلطة المدعي العام بمنع جهات التحقيق من الادلاء بمعلومات حول التحقيق في قضية ما، بحيث يكون حديثه أو حظره لتداول المعلومات بشأنها غير موجه للصحف والاعلام وإنما لرجاله من المحققين.
وفي الآخذ بذلك نوعا من المواءمة ما بين اعتبارات حماية النظام العام وحق النشر والمعرفة- وهو حق لا يمكن انكاره على المواطنين-.